MASHQ STUDIOستوديو مشق

English

من القصبة إلى الحرف الطباعي — تصميم الخط العربي اليوم

كلُّ خطٍّ طباعيٍّ عربي مفاوضةٌ بين يد الخطاط وقيود الآلة. الطباعةُ العربية الأولى ظلمت الحرفَ — فحروف الرصاص لا تتصل اتصالَ القصبة، وضُغط ثراءُ قرونٍ من الصور السياقية في بضع مئاتٍ من القطع الثابتة، لكلّ صورةٍ من صور الحرف قطعتُها يختارها المُنضِّد بيده. ثم جاء «أوبن تايب» الرقمي فنقل هذا الاختيار إلى الخطّ نفسه: صورُ البدء والوسط والختم، والمركّبات، والبدائل تُختار بحسب السياق ساعةَ الكتابة، فيسلك الخطُّ الطباعي مسلكَ اليد تقريباً. ومشهدُ التصميم العربي اليوم نشيط — مسابكُ في أنحاء المنطقة ترسم وجوهاً تُكرم بنيةَ النسخ أو الكوفي وتعمل بأحجام الشاشات التي ما خطرت لقصبةٍ ببال. وهذا الستوديو الذي أنت فيه قائمٌ على ذلك العمل: كلُّ طرازٍ هنا خطٌّ حلّ مصمّمُه، حرفاً حرفاً، مسألةَ بقاءِ خطٍّ حيٍّ داخل الشبكة.

أوّل الكتب العربية المطبوعة في إيطاليا

أوّل حروفٍ عربية ظهرت في كتابٍ مطبوع حُفرت في الخشب: أبجديةٌ في كتاب رحلة الحجّ لبرنهارد فون برايدنباخ، طبعه إرهارد رويفيتش في ماينتس سنة 1486. ثم جاءت الحروف العربية المتحرّكة سنة 1514 مع «كتاب صلاة السواعي»، وهو كتاب صلوات للمسيحيين الناطقين بالعربية، يُنسب طبعه في الغالب إلى الطبّاع البندقي غريغوريو دي غريغوري. ومكان طبعه مختلَفٌ فيه: يذكر حَرْدُ المتن مدينة فانو، وبذلك يأخذ بعض المؤرّخين، في حين رجّح الببليوغرافي ميروسلاف كريك أنه طُبع في البندقية.

وفي سنة 1537–1538 طبع البندقيّ باغانينو باغانيني وابنه أليساندرو ما يُعدّ أوّلَ مصحفٍ عربيٍّ مطبوع، وأغلب الظنّ أنهما أرادا بيعه في الدولة العثمانية. لكنه لم يَرُج، والنسخة الوحيدة المعروفة منه عُثر عليها سنة 1987 في مكتبة ديرٍ بجزيرة سان ميكيلي في البندقية. ويكشف الكتابان أصلَ المشكلة: الحرف اللاتيني قطعٌ منفصلة، والعربية سطرٌ موصول تتغيّر صورة الحرف فيه بحسب جاره. فقطّعتها المطابع الأوروبية قطعاً معدنية ثابتة، لكلّ صورةٍ من صور الحرف قطعتُها.

«كتاب صلاة السواعي»، أول كتاب طُبع بحروف عربية متحركة
«كتاب صلاة السواعي»، أول كتاب طُبع بحروف عربية متحركة
12 سبتمبر 1514 م (بلد الطبع المذكور: فانو) · المكتبة البريطانية، لندن
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

روما: مطبعة آل مديتشي وأختام غرانجون

وفي روما أنشأ الكاردينال فرديناندو دي مديتشي «المطبعة المديتشية» سنة 1584، وأدارها جوفاني باتيستا ريموندي. وعملت حتى سنة 1614 بامتيازٍ بابويّ تنفرد به بطباعة الكتب «باللغات الأجنبية»، فطبعت نصوصاً مسيحية للمشرق، وعلوماً عربية لعلماء أوروبا.

وحفر حروفَها العربية روبير غرانجون (نحو 1513–1590)، حفّار الأختام الباريسي المعروف بحروفه المائلة واليونانية، وقد اشتغل بالعربية في روما بين 1580 و1586. والختم قضيبٌ من الفولاذ حُفر في طرفه حرفٌ بارز، يُضرب في النحاس فيصنع قالباً يصبّ منه السبّاك حروفَ الرصاص. وما زال كثيرٌ من أختام غرانجون محفوظاً، وقد عرضت المطبعة الوطنية الفرنسية سنة 2013 أختامَ الأناجيل المديتشية.

وطبعت المطبعة الأناجيلَ بالعربية (1590–1591)، ثم جغرافية الإدريسي وكتابين في النحو هما «الكافية» لابن الحاجب و«الآجرّومية» (جميعها سنة 1592)، ثم «القانون في الطب» لابن سينا (1593)، وأصول إقليدس بتحرير نصير الدين الطوسي (1594).

الأناجيل العربية من مطبعة آل مديتشي الشرقية: مطلع إنجيل مرقس
الأناجيل العربية من مطبعة آل مديتشي الشرقية: مطلع إنجيل مرقس
1590–1591 م · طُبع في روما، 1590–1591
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
«القانون في الطب» لابن سينا بالعربية، من مطبعة آل مديتشي في روما
«القانون في الطب» لابن سينا بالعربية، من مطبعة آل مديتشي في روما
1593 م · مجموعة ويلكم، لندن
الصورة: Wellcome Collection، ويكيميديا كومنز (Avicenna, Canon; Rome; Typographia Medicea, Wellcome L0018994.jpg)، CC BY 4.0 (creativecommons.org/licenses/by/4.0)
أختام فولاذية للحروف العربية حفرها روبير غرانجون لأناجيل مطبعة آل مديتشي
أختام فولاذية للحروف العربية حفرها روبير غرانجون لأناجيل مطبعة آل مديتشي
القرن السادس عشر الميلادي (صُوّرت سنة 2013) · المطبعة الوطنية الفرنسية (عُرضت في نانسي، 2013)
الصورة: ActuaLitté، ويكيميديا كومنز (Arab type punches Poinçons d'arabe des Quatre Évangiles, gravés par Robert Granjon pour l'imprimerie des Médicis, XVIe (9730996293).jpg)، CC BY-SA 2.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/2.0)

لايدن وإسطنبول والقاهرة

وفي لايدن اقتدى توماس إربينيوس (1584–1624)، أستاذ العربية فيها منذ 1613، بسافاري دي بريف الذي أقام مطبعةً عربية في باريس على نفقته: فأمر بحفر حروفٍ عربية جديدة بكلفةٍ كبيرة، وطبع في بيته. وفي سنة 1617 أخرجت مطبعته «الآجرّومية» و«العوامل المائة» بالعربية واللاتينية.

وكان قد طُبع في البلاد العثمانية بالحروف العبرية منذ سنة 1493 أو 1504، وطبع المسيحيون بالعربية في حلب بين 1706 و1711. أمّا أوّل مسلمٍ طبع بالحروف العربية فهو إبراهيم متفرّقة، المولود في كولوجفار (كلوج اليوم) والداخل في الإسلام. وفي يوليو 1727 صدر فرمان السلطان أحمد الثالث، تؤيّده فتوى شيخ الإسلام، بالإذن له ولمحمد سعيد أفندي بإقامة مطبعة في بيته بإسطنبول. وصدر أوّل كتبها، القاموس العربي التركي المعروف بـ«وانقولي»، في أوائل سنة 1729. وطبعت المطبعة في حياته سبعة عشر كتاباً في ثلاثة وعشرين مجلداً، ليس فيها كتابٌ دينيّ. والمشهور أنه تُوفّي سنة 1745، وتجعل الموسوعة التركية وفاته في أوائل سنة 1747 استناداً إلى سجلّات الرواتب العثمانية.

وفي مصر أرسل محمد علي باشا سنة 1815 بعثةً إلى ميلانو لتتعلّم الطباعة وسبك الحروف. وأُسّست مطبعته في بولاق، في القاهرة، سنة 1820 وافتُتحت سنة 1821، وصدر أوّل كتبها، قاموسٌ عربيّ إيطاليّ، سنة 1822.

«فيوضات مقناطيسية»، رسالة في المغناطيس طبعها إبراهيم متفرقة في إسطنبول
«فيوضات مقناطيسية»، رسالة في المغناطيس طبعها إبراهيم متفرقة في إسطنبول
1732 م · المكتبة الوطنية النمساوية، فيينا
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
صفحة العنوان من طبعة إربينيوس لـ«الآجرّومية» و«العوامل المائة»، في نحو العربية مع ترجمة لاتينية
صفحة العنوان من طبعة إربينيوس لـ«الآجرّومية» و«العوامل المائة»، في نحو العربية مع ترجمة لاتينية
1617 م · طُبع في لايدن في مطبعة إربينيوس
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

الطباعة الحجرية: طباعة اليد نفسها

والطباعة الحجرية، التي اخترعها ألويس زنفلدر في أواخر القرن الثامن عشر، تطبع من حجرٍ مستوٍ: يكتب الخطّاط الصفحة بيده، ويعيد الحجرُ تلك الكتابة كما هي، فتبقى كلّ وصلة وكلّ مدّة.

ووصلت مطبعةٌ حجرية إلى تبريز من تفليس سنة 1821 بأمر وليّ العهد عباس ميرزا. والمؤكّد أنّ مطبعةً كانت تعمل في تبريز سنة 1248 هـ / 1832–1833 م، وأوّل ما طبعته مصحفٌ في تلك السنة، ثم «زاد المعاد» للمجلسي سنة 1251 هـ / 1836 م. وتذكر «الموسوعة الإيرانية» ثلاثة أسباب لنجاحها في إيران: آلاتها أرخص من آلات الحروف، والنسّاخ المحترفون كثيرون، وثقافة الخطّ راسخة. وكتب للحجر مئاتُ النسّاخ، ومنهم أساتذة كبار.

وفي «خمسة» نظامي المطبوعة طباعةً حجرية سنة 1264 هـ / 1847–1848 م، بخطّ أستاذ النستعليق علي أصغر تفرشي، رسومٌ في حواشي صفحة الختام تُري مراحل الصنعة؛ وتجعل «الموسوعة الإيرانية» طبعها في طهران، ويذكر سجلّ الصورة تبريز. وتخلص الموسوعة الإيرانية إلى أنّ الطباعة الحجرية أطالت عمر ثقافة الخطّ في إيران.

صفحة الختام من «خمسة» نظامي المطبوعة طباعةً حجرية، وفي حواشيها مراحل الطباعة الحجرية
صفحة الختام من «خمسة» نظامي المطبوعة طباعةً حجرية، وفي حواشيها مراحل الطباعة الحجرية
1264 هـ / 1847–1848 م · طُبعت طباعةً حجرية في تبريز (بحسب سجلّ ويكيميديا) أو طهران (بحسب الموسوعة الإيرانية)؛ بخطّ علي أصغر تفرشي ورسوم علي قلي خوئي
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

من بولاق إلى الشاشة

وفي سنة 1905 حفرت مطبعة بولاق، وقد صار اسمها المطبعة الأميرية، حرفَ نسخٍ جديداً للمتون، حفظ كثيراً من روح اليد في حدود ما يسمح به المعدن. وبه صُفّ مصحف القاهرة سنة 1924، وتعدّه إحدى مقالات ويكيبيديا أوّلَ طبعةٍ للمصحف أقرّها الأزهر، وأخرى أحدَ أوائلها. وفي سنة 2011 أصدر خالد حسني خطّ «أميري» إحياءً رقمياً له، وبه تُكتب عربيةُ واجهة هذا الستوديو.

وحاول آخرون أن يختصروا المشكلة. فرسم المعماري اللبناني نصري خطّار (1911–1998) «الحرف العربي الموحّد»، يكتب كلَّ حرفٍ بصورةٍ واحدة أينما وقع في الكلمة. وتختلف المصادر في التفاصيل: 33 شكلاً أو 30؛ وصُمّم سنة 1932، ونال براءة الاختراع سنة 1947، وأُطلق سنة 1957. وأراده خطّار للطباعة وحدها، ولم يُكتب له الانتشار.

أمّا الحرف الرقمي فسلك الطريق الآخر وأبقى الصور. فاليونيكود يحفظ الحرف مرةً واحدة بمعناه، والخطّ الطباعي يختار صورته؛ وتسمح صيغة «أوبن تايب»، التي أعلنتها مايكروسوفت وأدوبي سنة 1996، بإبدال الصور ووضعها بحسب السياق. ويبني محرّك «ديكوتايب» لتوماس ميلو سطرَ النسخ بقواعد كما يفعل الكاتب. وإن أردت أن تحكم على خطٍّ طباعي عربي فضع كلمةً تعرفها جيداً بجانب مخطوطٍ جيّد، وتحقّق من أنّ الوصلات تستقرّ على السطر، وأنّ السين تحتفظ بأسنانها، وأنّ النقاط تقع في مواضعها.

صفحة العنوان من «مختار الصحاح»، طُبع في المطبعة الأميرية ببولاق
صفحة العنوان من «مختار الصحاح»، طُبع في المطبعة الأميرية ببولاق
1334 هـ / 1916 م · المطبعة الأميرية، بولاق، القاهرة
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

المصادر

جرّبه الآن بهذا الخط: حرفٌ حيّ

افتحه في الستوديو ←

كتبها ستوديو مشق · آخر تحديث 2026-10-05. للاستزادة، المراجع القياسية بالإنجليزية: Sheila S. Blair, Islamic Calligraphy (Edinburgh University Press, 2006) · Annemarie Schimmel, Calligraphy and Islamic Culture (New York University Press, 1984) · Yasin Hamid Safadi, Islamic Calligraphy (Thames and Hudson, 1978).

📮 رسالة واحدة في الشهر من الستوديو

تابع الاستكشاف

▶ أفلام الدروس، والمستوى الأول مجانيابن مقلةابن البوابالشيخ حمد اللهاسم محمد قطعةًاسم فاطمة قطعةًاسم عبدالله قطعةً🛍 تصاميم الستوديومعرض التصاميم

من مجلة المتجر: مقالة ذات صلة

→ التوقيع والرِّقاع — قلما الديوان ما يعرفه القلم — كيف تصنع القصبة شكل الحرف ←

التصميم مجاني من أي مكان · صناعة الإمارات · التوصيل داخل الإمارات 50 درهمًا وحول العالم 250 درهمًا للطلب