التوقيع والرِّقاع — قلما الديوان
قلمان من الأقلام الستة لم يسكنا المصاحف، بل أوراقَ الدولة. التوقيع — من توقيع الخليفة — قلمُ المراسيم: صورُ الثلث مضغوطةً مسرَّعة، تتصل حروفه في غير مواضع الاتصال حتى يجري السطرُ يكاد لا ينقطع. والرِّقاع — أخوه الأصغر، قلمُ الرقاع والملتمسات — أمعن في التصغير على المنطق نفسه؛ ومنه استُلهم لاحقاً اسمُ الرقعة الحديثة وإن اختلفت اليدان. يُريان معاً العمودَ الفقري العملي لهذا الفن: فلكل قلمٍ احتفاليٍّ على الجدار، قلمُ عملٍ يُسيّر رسائلَ الدولة وعقودَها وتواقيعَها. لم يكن الجمال ترفاً حتى في الدواوين — فقلمُ الديوان كان وجهَ الدولة.
قلمٌ سُمّي باسم القرار
كانت القِصَص — أي الرِّقاع المرفوعة — تُقرأ على الخليفة في مجلسه العامّ، فيكتب قراره على الرقعة نفسها، ويُسمّى ذلك القرار القصير «توقيعاً». وكان الخلفاء يكتبونه بأيديهم أوّلاً، ثم صار الكُتّاب يصوغونه على أصولٍ مرسومة، وعُرف هذا العمل بـ«التوقيع على القصص». وفوّضه هارون الرشيد إلى وزيره جعفر بن يحيى البرمكي، وظهر ديوانٌ خاصٌّ بالتوقيع.
ومن الفعل أخذ القلمُ اسمه. تنسب الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي (TDV) استخراجَه من الثلث إلى كاتبٍ شاعرٍ اسمه يوسف، يُلقَّب بلَقْوة، في القرن الثاني للهجرة. وأُعجب به الفضل بن سهل (ت 202 هـ / 818 م)، وزيرُ المأمون، فسمّاه «الرياسي»، وأمر أن تُكتب به المراسيم والرسائل الخارجة من الديوان كلُّها. وتسمّي ويكيبيديا العربية واضعَه يوسف الشجري.

عهد يعقوب، 883–896 هـ (1478–1490 م) · مجموعة خاصة (بيع في سوذبيز، لندن، 2007)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
من ابن مقلة إلى ياقوت
وظلّ التوقيع حتى أوائل القرن الرابع الهجري يُهذَّب في ديوان الإنشاء خاصةً، في المرحلة التي يسمّيها مؤرّخو الخطّ «الخطّ الموزون». ثم جاء الوزير ابن مقلة (ت 328 هـ / 940 م) وأخوه أبو عبد الله، فميّزا الأقلام بعضها من بعض، وقيّدا كلّاً منها بمقاييس معلومة، فبدأ عهد «الخطّ المنسوب». وتذكر الموسوعة التركية أنّ ابن مقلة عُني بالتوقيع عنايةً خاصة، أمّا ويكيبيديا الإنجليزية فتجعله مبتكرَه، والمصادر الأقدم تضع مولده قبله بنحو قرن.
ثم جوّده ابن البوّاب (ت 413 هـ / 1022 م) مع سائر الأقلام، ووضع ابنُ الخازن (أبو الفضل أحمد الدينوري) مقاييسَه الكلاسيكية. وثبّته ياقوت المستعصمي (ت 698 هـ / 1298 م) ومدرستُه قلماً من الأقلام الستة، وحمله أتباعه شرقاً: ففي مكتبة جامعة إسطنبول صفحةٌ من مرقّعة تجمع نسخاً بخطّ محمد قاسم وتوقيعاً بخطّ يحيى الجمالي، كُتبت في شيراز وأُرّخت بسنة 746 هـ / 1345–1346 م.

قبل 1298 م · مجموعات خليلي، لندن
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
كيف تعرف التوقيع
يُكتب التوقيع بقلمٍ عرضُ قطّته كعرض قلم الثلث، لكنّ كلّ شيء فيه أصغر. فألف الثلث نحو سبع نقاط من قلمه، وألف التوقيع خمس. وكؤوسه وأذياله أقصر، وحروفه أكثر استدارة.
وثلاثُ علاماتٍ تدلّ عليه: الحروف التي لا تتصل في العادة تدنو ويمسّ بعضها بعضاً حتى تجري الكلمة كأنها حركةٌ واحدة؛ والسطر يميل إلى الصعود في آخره؛ وعيون العين والفاء والقاف والميم في وسط الكلمة تُترك مفتوحة، وربما كادت تختفي. ويذكر القلقشندي، كاتب الإنشاء المملوكي، في «صبح الأعشى» صوراً تخصّ التوقيع وقلّما ترد في الثلث، كالراء المقوّرة التي ترتفع في آخرها، والواو المقوّرة المنعطفة إلى أعلى كالكاف.
وفي صفحةٍ من مصحفٍ من القرن الرابع عشر الميلادي بمكتبة الكونغرس يظهر هذا الوصل جليّاً: ألفٌ ولامٌ تربطهما عُروةٌ صغيرة منعطفة إلى أعلى. وكان النسّاخ يكتبون به خواتيمهم: ففي نسخةٍ من قصيدة البوصيري في متحف والترز وقّع رضوان بن محمد بالتوقيع الذهبي سنة 767 هـ / 1366 م، مع أنّ المتن بالثلث والنسخ.

القرن الرابع عشر الميلادي · مكتبة الكونغرس، واشنطن
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

767 هـ / 1366 م · متحف والترز للفنون، بالتيمور (W.581)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
الرِّقاع: قلم الخواتيم والإجازات
خرج الرِّقاع من التوقيع وبقي على قواعده. واسمه من الرِّقاع، وهي القِطَع الصغيرة المقدّرة من الورق والرَّقّ للرسائل والمذكّرات. وقلمه في الغالب نصفُ قلم التوقيع، أي بعرض قلم النسخ، وألفه خمس نقاط من قلمه هو، فيجيء الخطّ كلّه أصغر وأدقّ وأشدّ استدارة. والحروف التي لا تتصل في الكتابة المعتادة، كالألف والراء والواو، تمتدّ إلى ما بعدها، وتنغلق عيون العين والقاف والميم والواو، وتزول عقدة اللام ألف.
وصار الرقاع قلمَ العمل في الكتاب: به تُكتب الخواتيم، وقيود المقابلة والسماع والتملّك. وفي كتابٍ كتبه ابن أرغون الشيرازي سنة 918 هـ / 1512 م سطرٌ بالرقاع الذهبي يذكر السلطان العثماني سليم الأول، وإليه أُهدي الكتاب. وبه كتب الخطّاطون إجازاتهم، فسُمّي «خطّ الإجازة». واستعملته المحاكم العثمانية في الحجج والوقفيات حتى حلّ الديواني محلّه، وحلّ التعليق محلّه في إيران. واستعمله الخطّاطون الفُرس أيضاً للترجمة بين السطور: ففي سنة 1838 م كتب وصال الشيرازي دعاءً عربياً بالنسخ الأسود، وترجمته الفارسية بالرقاع الأحمر.

القرنان الحادي عشر والثاني عشر الهجريان (17–18 م) · متحف والترز للفنون، بالتيمور
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

918 هـ / 1512 م؛ والختم 1130 هـ / 1717 م · متحف والترز للفنون، بالتيمور (W.591)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

1838 م · متحف الفنون الزخرفية، أصفهان
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
أين تجدهما، وما الذي جاء بعدهما
خدم التوقيع دواوين السلاجقة، وبقي عند العثمانيين حتى ظهر الديواني في عهد السلطان محمد الفاتح. ثم أبقته المدرسة العثمانية لأعمالٍ صغيرة: عناوين السور وعدد آيها في المصحف، وقِطَع المرقّعات. وكتب الشيخ حمد الله (ت 926 هـ / 1520 م) قِطَعاً تجمع سطراً من التوقيع وثلاثة أسطر من الرقاع، منها قطعة في مكتبة قصر طوب قابي (خزانة الأمانات، رقم 2084).
وكان بعض نسّاخ إيران يحبّون أن يجمعوا الأقلام الستة في صفحة الختام. ففي سنة 888 هـ / 1483 م أتمّ زين العابدين بن محمد الشيرازي مصحفاً في ثلاثين جزءاً للسلطان يعقوب بك الآق قويونلي، وفي إحدى صفحات ختامه، المحفوظة اليوم في مكتبة تشستر بيتي، يتدرّج من المحقّق إلى النسخ فالثلث فالريحان، حتى سطرٍ أخير بالتوقيع. وكانت مراسيم يعقوب نفسه تُفتتح بأسطرٍ جليلة من التوقيع الذهبي.
أمّا الرقعة الحديثة فتشارك الرقاعَ في الاسم؛ وتعدّها الموسوعة التركية خطّاً آخر يحمل صفاتِ الديواني، وتجعلها ويكيبيديا الإنجليزية صورةً مبسّطة من الرقاع. وقد قيّدها ممتاز أفندي (ت 1872 م) بقواعد في دواوين الحكومة العثمانية، وأعطاها محمد عزّت أفندي (ت 1903 م) الصورةَ التي يتعلّمها أكثر الناس اليوم. ومع ذلك، فمن أراد قراءة الكتب القديمة فليعرف التوقيع والرقاع: افتح أيَّ مخطوطٍ على صفحته الأخيرة تجدْ قيدَ الناسخ في الغالب مكتوباً بأحدهما. وابحث عن الألف ذات النقاط الخمس، والحروف الموصولة، والسطر الصاعد.

888 هـ / 1483 م · مكتبة تشستر بيتي، دبلن (Is 1502، الورقة 24 ظ)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
المصادر
- محيي الدين سرين، «التوقيع» (القلم)، الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي (بالتركية)، المجلد 41، 2012
- أردوغان مرچيل، «التوقيع» (الوثيقة)، الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي (بالتركية)، المجلد 41، 2012
- محيي الدين سرين، «الرقاع» و«الرقعة»، الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي (بالتركية)، المجلد 35، 2008
- ويكيبيديا الإنجليزية، مقالتا «التوقيع» و«الرقاع»؛ وويكيبيديا العربية، مقالة «خط الإجازة»
- مريم اختياري، «جمالي صوفي، بير يحيى»، الموسوعة الإيرانية (بالإنجليزية)، المجلد 14، 2008
- متحف والترز للفنون، سجلّا المخطوطين W.581 (خاتمة بالتوقيع الذهبي) وW.591 (إهداء بالرقاع الذهبي)
- مكتبة الكونغرس، آيات قرآنية بقلم التوقيع، القرن الرابع عشر الميلادي
- مكتبة تشستر بيتي، دبلن، مصحف بخطّ زين العابدين بن محمد الشيرازي، Is 1502، الورقة 24 ظ
جرّبه الآن بهذا الخط: وقّع الأمير
افتحه في الستوديو ←كتبها ستوديو مشق · آخر تحديث 2026-10-05. للاستزادة، المراجع القياسية بالإنجليزية: Sheila S. Blair, Islamic Calligraphy (Edinburgh University Press, 2006) · Annemarie Schimmel, Calligraphy and Islamic Culture (New York University Press, 1984) · Yasin Hamid Safadi, Islamic Calligraphy (Thames and Hudson, 1978).
تابع الاستكشاف
من مجلة المتجر: مقالة ذات صلة