MASHQ STUDIOستوديو مشق

English

ما يعرفه القلم — كيف تصنع القصبة شكل الحرف

حروف العربية ليست خطوطاً مرسومة، بل أثر قصبة مقطوعة وهي تتحرك. يُبرى القلم على حافة مسطحة تُمسك بزاوية تكاد تكون ثابتة، تختلف من خطٍّ إلى خطّ — وقلم النسخ في المختبر أدناه، كما قيس من حروفه، يميل نحو 59 درجة عن السطر — وكل سماكة تراها ليست إلا تلك الحافة وهي تدور بالنسبة لاتجاه الحركة. فحين يسير القلم موازياً لقطّته يدقّ الخط حتى يكاد يختفي، وحين يعترضها يمتلئ إلى عرض القطّة كاملاً. ولهذا تخرج من اليد ذاتها شعرةٌ في ذيل الراء وكتفٌ ثقيل في الباء: لم يتغير القلم، بل تغيّر المسار. وهذا يقلب طريقة قراءتك للحرف: لا تسأل عن شكل الحبر، بل عن مسار اليد وميل الحافة أثناء سيرها. هيكلٌ وزاويةُ قطّ يكفيان لإعادة بناء الحرف كله — وهو تماماً ما يفعله المختبر أدناه. والقياس كذلك مهم: النسب الكلاسيكية تُعدّ بالنقطة المعيّنة التي يطبعها القلم نفسه، فهندسة الخط كلها تتدرّج من عرض القصبة التي كتبته.

اختيار القصبة

وفي التقليد العثماني، على ما يرويه مؤرّخ الخطّ أوغور درمان، أنّ أجود القصب ما نبت على شواطئ بحر قزوين وحول واسط على دجلة، حتى اشتهر قصبها باسمه: «القلم الواسطي». والقصبة الجيدة مستديرة صُلبة بطبعها، وبين عُقدها 20 إلى 25 سنتيمتراً على الأقل.

والقصب الغضّ أصفر شاحب لا يصلح للكتابة، فكان يُدفن في روث الخيل، فيجفّ بحرارته الهادئة ويصلُب، ويصير لونه بنّياً أو يكاد يسودّ. ومنه نوعٌ منقّط يسمّى «جلد النمر» صُلبٌ بطبعه. وكان المشتري يختبر القصبة بإسقاطها من ارتفاع 8 إلى 10 سنتيمترات على أرضٍ صلبة: فالمشقوق يطنّ ويسكن مكانه، والسليم يرنّ ويقفز.

وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر رأى خطّاطو إسطنبول في الحجّ حُجّاجاً من جاوة يكتبون بـ«القلم الجاوي»، وهو عودٌ رفيع أسود صلبٌ كالأبنوس يُثبَّت في مقبضٍ من القصب. وكان يحفظ حدّه في النصوص الطويلة، فاتّخذه للنسخ تشومز مصطفى واصف وتلميذه مصطفى عزّت. وللجليّ الضخم اتّخذ الخطاطون الخيزران أو الخشب المنحوت.

أقلام قصب مبريّة بأربعة عروض، داكنة القشرة، اثنان منها عليهما أثر المداد
أقلام قصب مبريّة بأربعة عروض، داكنة القشرة، اثنان منها عليهما أثر المداد
صُوّرت سنة 2016 · صورة فوتوغرافية
الصورة: Farzan44، ويكيميديا كومنز (Reed Pens.jpg)، CC BY-SA 4.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/4.0)

بري القلم

ولبري القلم ترتيبٌ لا يتغيّر. تُقطع العقدة على بُعد إصبعٍ من الطرف، وإلّا مال الشقّ واعوجّ. ثم تُوضع القصبة في باطن الكفّ اليسرى وتُفتح بقطعٍ مائل حتى تصير الفتحة كاللوزة. ويُرقَّق طرفها حتى يصير صفحةً مسطّحة، ويؤخذ من جانبيها بقدرٍ متساوٍ حتى يبلغ عرضُ السنّ ما تريد. والصفحة الطويلة تُسرع بالكتابة، والقصيرة تُبطئ بها.

ثم يأتي الشقّ: فلقٌ مستقيم في وسط السنّ يحفظ المداد ويُنزله بانتظام. ولشِقَّي السنّ اسمان: ما يلي الكاتبَ هو «الإنسي»، والآخر «الوحشي»، ويُترك الوحشي أعرض قليلاً. وآخر العمل القطّ، أي قطع رأس السنّ، والقصبة مستقرّة في مجرى المِقَطّة. ويُقطّ مائلاً بحيث يبقى الجانب الوحشي أطول، فإذا سمعت طقّةً نظيفة فقد تمّ.

والقطّة الجديدة تكتب حروفاً حادّة، فإذا كلّ السنّ خشنت حوافّ الحروف ووجب القطّ من جديد. وفي ذلك خطرٌ على العمل الطويل: فإن اختلف العرض الجديد ولو قليلاً ظهر الفرق في الخطوط الدقيقة كالنسخ.

عُدّة خطاط: مقصّ ورق، ومِقَطّ من العاج، وسكين بري القلم، تركيا العثمانية
عُدّة خطاط: مقصّ ورق، ومِقَطّ من العاج، وسكين بري القلم، تركيا العثمانية
نحو 1850 م · مجموعات خليلي، لندن
الصورة: Khalili Collections، ويكيميديا كومنز (Khalili Collection Islamic Art sci 0264.jpg)، CC BY-SA 3.0 IGO
قلم قصب مبريّ من الجانب، ومن الأسفل (الجوف والفتحة)، ومن الأعلى (السنّ المشقوق)
قلم قصب مبريّ من الجانب، ومن الأسفل (الجوف والفتحة)، ومن الأعلى (السنّ المشقوق)
صُوّر سنة 2006 · صورة فوتوغرافية
الصورة: Baba66، ويكيميديا كومنز (Qalam2.jpg)، CC BY 2.5 (creativecommons.org/licenses/by/2.5)

تحريف القطّة

قال أساتذة العثمانيين في تحريف القطّة: القطّة المستوية تُخرج حروفاً متينة، والمحرّفة كثيراً تُخرج حروفاً ضعيفة لكنها حلوة، وخير الأمور أوسطها. وتذكر المصادر أنّ الكتابة بالقلم المحرّف بدأت بياقوت المستعصمي. ولكلّ خطٍّ درجته: فالتعليق أقلّ تحريفاً من الثلث، والنسخ أقلّ منه، والرقعة تكاد تكون مستوية.

والتحريف يحدّد أيضاً جِلسة القلم في اليد. فإذا أُمسك بحيث تنطبق القطّة كلّها على الورق، وهو ما سمّاه الخطّاطون العثمانيون «سجدة القلم»، مالت القصبة من نفسها نحو الكاتب. وفي الثلث والنسخ يُصنع الحرف دون أن ترتفع القطّة عن الورق، أمّا في التعليق فتُكتب أدقّ أجزائه بنصف السنّ فقط.

وفي صورةٍ رُسمت في بلاط محمد الفاتح نحو 1479–1481 كاتبٌ شابٌّ، لوحُه على ركبته والقلم بين أطراف أصابعه في رفق. وينسبها متحف غاردنر في بوسطن إلى جنتيلي بيليني، ويرى بعض الباحثين أنها لكوستانزو دا فيرارا.

«الكاتب الجالس»: كاتب شابّ من بلاط محمد الفاتح يكتب على لوحٍ فوق ركبته
«الكاتب الجالس»: كاتب شابّ من بلاط محمد الفاتح يكتب على لوحٍ فوق ركبته
نحو 1479–1481 م · متحف إيزابيلا ستيوارت غاردنر، بوسطن (منسوبة إلى جنتيلي بيليني)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

مداد السُّخام

المداد الأسود في المخطوطات مدادُ سُخام، وما زال لامعاً في أقدم الكتب. وكان السُّخام يُؤخذ من حرق زيت الكتّان وشمع العسل ونحوهما. وما زال في جامع السليمانية بإسطنبول حجرةٌ كان يُجمع فيها دخان قناديل الزيت، وإن كان سخام القناديل لا يصنع إلا مداداً عادياً. والمادّة الرابطة الصمغ العربي، وأجوده ما جاء من السودان.

ويُدقّ السخام والصمغ معاً، جزءٌ إلى أربعة في الغالب، في هاونٍ من حجر، ويُضاف الماء كلّما ثخن. وكان القدماء يطلبون ثمانين ألف ضربة، أمّا الخطاط وصانع المداد نجم الدين أوقياي فعدّ ضربات حمّالٍ استأجره، فبلغ نحو خمسمئة ألف. وكان صنّاع المداد يسألون المشتري عمّا سيكتب، لأنّ للثلث قواماً وللتعليق قواماً وللنسخ قواماً.

ومداد السخام لا يبهت، لكنه يبقى على سطح الورق المُقهَّر، فيُمسح بل يُلعق. وبذلك أمكن التصحيح، ومنه قال الأتراك عن المتعلّم: «لعق المداد».

عُدّة كتابة عثمانية: محابر ومِقَطّ وسكاكين ومقصّ ومقلمة
عُدّة كتابة عثمانية: محابر ومِقَطّ وسكاكين ومقصّ ومقلمة
أواخر القرن التاسع عشر الميلادي · متحف الفنون التركية والإسلامية، إسطنبول
الصورة: Civic Responsibility project، ويكيميديا كومنز (Writing Set.jpg)، CC BY-SA 4.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/4.0)

المقالم، وحُرمة القلم

وكانت الأقلام تُحفظ في مقالم طويلة، طولها نحو 30 إلى 40 سنتيمتراً، فيها موضعٌ لدواةٍ أو دواتين، أو في «الدِّوِيت»، وهو أنبوبٌ معه دواة يُعلَّق في الحزام. وفي إيران كثيراً ما صُنع «القلمدان» من عجينة الورق المرسومة والملمّعة؛ ومنه واحدٌ في متحف المتروبوليتان من عمل محمد صادق، يُؤرَّخ على الأرجح بسنة 1793–1794.

ولم يكن القلم البالي يُرمى. فقد جرت العادة أن يُدفن حيث لا تطؤه الأقدام، ومعه بُراية كلّ بري. وكان كثيرٌ من الخطاطين يجمعون بُراية العمر ليُسخَّن بها ماء غسلهم بعد الموت. وانتشرت الأقلام الحديدية في البلاد العثمانية منذ أربعينيات القرن التاسع عشر، لكنّ الخطاطين تمسّكوا بالقصبة، لأنها أطوع لحركة الكتابة.

ونصيحة الأساتذة للمتعلّم عملية. أمسك القلم برفق. وإذا فرغت فامسح السنّ، وإلا جفّ الصمغ في الشقّ ومنع الجريان. والكتابة الرمادية علامة مدادٍ رقيق، والحروف الخشنة علامة سنٍّ يحتاج إلى قطٍّ جديد. واستمع عند آخر قطٍّ على المِقَطّة: الطقّة النظيفة علامتك.

دواة عثمانية من الفضة بمقلمتها، وأقلام من القصب
دواة عثمانية من الفضة بمقلمتها، وأقلام من القصب
القرنان الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديان · متحف الفنون التركية والإسلامية، إسطنبول
الصورة: Civic Responsibility project، ويكيميديا كومنز (Silver Ornamental Calligraphy Set.jpg)، CC BY-SA 4.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/4.0)
مقلمة من النحاس الأصفر مطعّمة بالفضة والذهب
مقلمة من النحاس الأصفر مطعّمة بالفضة والذهب
أواخر القرن الثالث عشر – أوائل القرن الرابع عشر الميلادي · متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك
الصورة: ويكيميديا كومنز، CC0
قلمدان من عجينة الورق المرسومة والملمّعة، من عمل محمد صادق
قلمدان من عجينة الورق المرسومة والملمّعة، من عمل محمد صادق
على الأرجح 1793–1794 م · متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك (2014.257)
الصورة: ويكيميديا كومنز، CC0

المصادر

هذا هو المختبر نفسه لا صورةٌ عنه: اسحب النقاط الحمراء فيُعيد الحرف رسم نفسه من هندسة القلم. افتحه بالحجم الكامل ←

جرّبه الآن بهذا الخط: قصبة

افتحه في الستوديو ←

كتبها ستوديو مشق · آخر تحديث 2026-10-05. للاستزادة، المراجع القياسية بالإنجليزية: Sheila S. Blair, Islamic Calligraphy (Edinburgh University Press, 2006) · Annemarie Schimmel, Calligraphy and Islamic Culture (New York University Press, 1984) · Yasin Hamid Safadi, Islamic Calligraphy (Thames and Hudson, 1978).

📮 رسالة واحدة في الشهر من الستوديو

تابع الاستكشاف

▶ أفلام الدروس، والمستوى الأول مجانيابن مقلةابن البوابالشيخ حمد اللهاسم محمد قطعةًاسم فاطمة قطعةًاسم عبدالله قطعةً🛍 تصاميم الستوديومعرض التصاميم

من مجلة المتجر: مقالة ذات صلة

→ من القصبة إلى الحرف الطباعي — تصميم الخط العربي اليوم

التصميم مجاني من أي مكان · صناعة الإمارات · التوصيل داخل الإمارات 50 درهمًا وحول العالم 250 درهمًا للطلب