MASHQ STUDIOستوديو مشق

English

الصيني — عربيةٌ بريشةٍ صينية

بلغ الإسلامُ الصينَ عبر طريق الحرير، واحتاج مسلمو الصين — قومية هُوِي — إلى كتابة العربية بأدواتهم: الريشة لا القصبة. فكان «الصيني»: خطٌّ عربي بروح الريشة الصينية. تمتلئ الضربةُ وتدقّ في تدرّجٍ ظاهر، وتمتدّ الأفقياتُ عريضةً، وتتراكب العباراتُ في تكويناتٍ متزنة تحاكي الحرفَ الصيني. تراه على لوحات مساجد شيآن، وعلى الخزف المصنوع لعملاء مسلمين، وفي تكوينات «البسملة في طبق» المستديرة التي يحبّها هذا التقليد. يثبت الصيني حقيقةً عميقة في هذا الفن: الحروف ثابتة، لكن اليد التي تكتبها تحمل ثقافتها كلها — والخط يستوعبها دون أن يفقد كلمة.

مسلمو الصين ومصاحفهم

في عهد أسرة يوان المغولية (1279–1368 م) استوطن الصينَ كثيرٌ من المسلمين القادمين من إيران وآسيا الوسطى، وكان بعضهم من كبار الموظفين الموسرين الذين أنفقوا على نسخ المصاحف ونقش المساجد. وأخذ أحفادهم، المعروفون اليوم بقومية هُوِي، لغةَ الصين وعاداتها، واحتفظوا بالعربية للصلاة والقرآن. ولما ضعفت الصلة بآسيا الوسطى في عهدي مينغ (1368–1644 م) وتشينغ، صارت كتابتهم أشدّ محلّية.

وأقدم مصحف مؤرَّخ معروف من الصين جزءٌ واحد محفوظ في مجموعات خليلي: الجزء التاسع والعشرون من ربعةٍ في ثلاثين جزءاً، فُرغ منه في المحرّم سنة 804 هـ / 1401 م في الجامع الكبير بخان بالق، وهي بكين اليوم. ويذكر قيدُ الفراغ أن كاتبه ومذهّبه «الحاج رشاد بن علي الصيني». وتعدّه المجموعة من طرازٍ من المصاحف أصوله في شرق إيران. وكانت المصاحف الصينية تُصنع عادةً في ثلاثين جزءاً، في الصفحة خمسة أسطر إلى سبعة، وفي صفحات الافتتاح ثلاثة.

مصحف من الصين مكتوب بالخط الصيني
مصحف من الصين مكتوب بالخط الصيني
القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي · متحف طارق رجب، الكويت
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
الجزء التاسع والعشرون من ربعة في ثلاثين جزءاً، كتبه وذهّبه الحاج رشاد بن علي الصيني في جامع خان بالق
الجزء التاسع والعشرون من ربعة في ثلاثين جزءاً، كتبه وذهّبه الحاج رشاد بن علي الصيني في جامع خان بالق
المحرّم 804 هـ / 1401 م · مجموعات خليلي، لندن
الصورة: Khalili Collections، ويكيميديا كومنز (Khalili Collection Islamic Art qur 0974 fol 2b-3a.jpg)، CC BY-SA 3.0 igo (creativecommons.org/licenses/by-sa/3.0/igo)

الريشة والقصبة

تُكتب أكثر المصاحف الصينية بقلمٍ مشتقّ من المحقَّق، يُسمّى غالباً «الصيني». ويصف متحف الحضارات الآسيوية في سنغافورة مصحفاً في ثلاثين جزءاً من أوائل القرن السابع عشر يجمع بين الصيني المعتاد، المشتقّ من المحقَّق، والكوفي المربّع. ويُكتب الصيني كذلك بالريشة الصينية اللينة بدل القصبة، فتغلظ أفقياته وتدقّ عمودياته.

تعرفه من أواخر حروفه: فللراء والزاي والواو أذيالٌ طويلة، والنون والصاد في آخر الكلمة تهبطان تحت السطر وتمتدّان إلى اليسار بعيداً. والباء في أول الكلمة، ولا سيّما في البسملة، تصعد في انحناءة. أمّا الميم الأخيرة فتخالف المألوف: تتدلّى مستقيمة أو تلتفّ، بدل أن تستلقي على السطر مع سائر الأذيال. والعُقَف الصغيرة فيه كثيرة، والزوايا حادّة. وقد يجري النصّ أفقياً، أو عمودياً كالأبيات المتقابلة التي تُعلَّق على جانبي الأبواب الصينية. وإذا وضعت مصحفاً صينياً بجانب مصحف مصري أو إيراني من القرن نفسه، ظهر الفرق أولاً في هذه النهايات وفي ثقل الأفقيات.

«اللهم» بالخط الصيني، من لفافة صينية عن الحج
«اللهم» بالخط الصيني، من لفافة صينية عن الحج
القرن التاسع عشر · مجموعات خليلي، لندن
الصورة: Khalili Collections، ويكيميديا كومنز (Allahumma, Chinese hajj scroll 1845.jpg)، CC BY-SA 3.0 igo (creativecommons.org/licenses/by-sa/3.0/igo)
جزء من مصحف صيني، فيه دوائر مزخرفة ونصّ بالخط الصيني
جزء من مصحف صيني، فيه دوائر مزخرفة ونصّ بالخط الصيني
القرن الثامن عشر–التاسع عشر · متحف الفن الإسلامي، الدوحة
الصورة: Davide Mauro، ويكيميديا كومنز (Chinese Qur'an.jpg)، CC BY-SA 4.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/4.0)

على جدران المساجد

تُبنى مساجد الصين على هيئة القاعات الصينية: هياكل خشبية وسقوف من القرميد وأفنية، فتكون العربية في الغالب أوضحَ ما يدلّ على أنها مساجد. ويُرجع جامع شيآن الكبير تأسيسه إلى سنة 742 م في عهد أسرة تانغ، وأكثر ما فيه اليوم بُني سنة 1392 م في عهد إمبراطور مينغ هونغوو. وهو يتّجه غرباً نحو مكة، لا جنوباً كسائر المباني الصينية.

وفي قاعاته ألواحٌ ولوحات بالخط الصيني بين زهورٍ وسحبٍ منحوتة، من الآجرّ أو الخشب أو بالذهب على اللك الداكن. وتوضع النقوش فوق الأبواب وقرب المحراب، وكثيراً ما تُحاط بإطارٍ على شكل سحابة أو مروحة. وقد يعلو البابَ الواحد لوحٌ صيني باسم المكان، وفوقه عبارةٌ عربية، فيتقاسم نظامان للكتابة مدخلاً واحداً.

لوحة عربية من الآجرّ المنحوت داخل إطار على شكل سحابة، جامع شيآن الكبير
لوحة عربية من الآجرّ المنحوت داخل إطار على شكل سحابة، جامع شيآن الكبير
في مسجدٍ بُني أكثره سنة 1392 م · جامع شيآن الكبير، الصين
الصورة: Paul Louis، ويكيميديا كومنز (Arabic Plaque, Great Mosque, Xian.jpg)، CC BY-SA 3.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/3.0)

الخزف والبرونز

وبلغت العربيةُ أفرانَ القصر أيضاً. ففي عهد تشنغده (1506–1521 م) صنعت مصانع جينغدتشن قطعاً من الخزف الأزرق والأبيض عليها كلمات عربية وفارسية: مساند للريشة، وعلب، ومزهريات، وألواح مثل اللوح المحفوظ في المتحف البريطاني وعليه آيات من القرآن. والحروف على هذه القطع مرسومة بالكوبالت تحت الطلاء، داخل دائرة أو إطار مفصّص، ويتبع التكوينُ شكلَ القطعة. وعلى لوح المتحف البريطاني تستقرّ الآيات داخل معيّن، تحيط به أغصانٌ مزهرة مرسومة بالأزرق نفسه.

ثم حملت المباخر والعلب البرونزية في عهد تشينغ عبارات قصيرة مثل «الحمد لله» في حقلٍ مستدير، كما على غطاء علبة بخور في مجموعة أديلنور بالسويد. وهناك تنحني الكلمات وتتراكب حتى تملأ الدائرة، كما يملأ الختمُ الصيني مربّعه.

لوح من الخزف عليه آيات قرآنية بالعربية، بالأزرق تحت الطلاء
لوح من الخزف عليه آيات قرآنية بالعربية، بالأزرق تحت الطلاء
عهد أسرة مينغ، فترة تشنغده، 1506–1521 م · المتحف البريطاني، لندن
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
مسند ريشة من الخزف عليه كتابة عربية في دائرة، جينغدتشن، بالأزرق تحت الطلاء
مسند ريشة من الخزف عليه كتابة عربية في دائرة، جينغدتشن، بالأزرق تحت الطلاء
عهد تشنغده، 1506–1521 م · متحف غاردينر، تورونتو
الصورة: ويكيميديا كومنز، CC0

الصيني اليوم، وكيف تبدأ

وما زال هذا التقليد حيّاً. فالحاج نور الدين مي غوانغ جيانغ، المولود في شاندونغ سنة 1963، صار سنة 1997 أول مسلم صيني ينال الشهادة المصرية في الخط العربي، وهو يدرّس في المعهد الإسلامي بمدينة تشنغتشو. وعند الهوي في شيآن يدخل الخطّ الصيني الحياة اليومية: يتعلّمونه في الدروس، ويعلّقونه في البيوت والمتاجر والمطاعم. وأعمال الخطاطين الأحياء محفوظة الحقوق، فلا نعرض منها شيئاً هنا.

وإن أردت أن تبدأ فخذ ريشةً مستديرة لينة وحبراً خفيفاً، واختر عبارة قصيرة: «بسم الله» أو «الحمد لله». اضغط في أول كل أفقيّة وارفع يدك وأنت تغادرها، فتمتلئ الضربة ثم تدقّ، واجعل العموديات رفيعة. ثم أدخل الكلمات في دائرة أو مربّع، كما على غطاء علبة البخور المعروض هنا، وتأكّد أن كل حرف ما زال مقروءاً.

«الحمد لله» بالخط الصيني على غطاء مبخرة
«الحمد لله» بالخط الصيني على غطاء مبخرة
عهد أسرة تشينغ، القرن التاسع عشر · مجموعة أديلنور، السويد
الصورة: Danieliness، ويكيميديا كومنز (Alhamdulillah in Sini Arabic.jpg)، CC BY-SA 4.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/4.0)

المصادر

جرّبه الآن بهذا الخط: الحمد لله

افتحه في الستوديو ←

كتبها ستوديو مشق · آخر تحديث 2026-10-05. للاستزادة، المراجع القياسية بالإنجليزية: Sheila S. Blair, Islamic Calligraphy (Edinburgh University Press, 2006) · Annemarie Schimmel, Calligraphy and Islamic Culture (New York University Press, 1984) · Yasin Hamid Safadi, Islamic Calligraphy (Thames and Hudson, 1978).

📮 رسالة واحدة في الشهر من الستوديو

تابع الاستكشاف

ابن مقلةهاشم البغدادياسم زايد قطعةًاسم نور قطعةًاسم بدر قطعةً🛍 اقتنِ قطعة بهذا الخطمعرض التصاميم

من مجلة المتجر: مقالة ذات صلة

→ الإجازة — خطُّ الشهادةِ نفسها المحقَّق — سلطانُ أقلامِ المصاحف ←

التصميم مجاني من أي مكان · صناعة الإمارات · التوصيل داخل الإمارات 50 درهمًا وحول العالم 250 درهمًا للطلب