الإجازة — خطُّ الشهادةِ نفسها
إذا رأى الشيخُ أن تلميذه بلغ، كتب له شهادته — الإجازةَ — تخوّله التوقيعَ على أعماله والتعليم. والخط الذي كُتبت به صار طرازاً قائماً بذاته: يسمّيه العثمانيون الرِّقاع، ويعدّونه فرعاً من التوقيع قلمِ الديوان، وتسمّيه كتبٌ عربية كثيرة التوقيعَ نفسه. يمزج هيبةَ الثلث بسرعة النسخ — أصغر من الثلث وأسرع، وأكثر استدارةً واتصالاً من النسخ، حتى إن حروفاً لا تتصل عادةً تتصل فيه، فيكتسب جرياناً يشبه الإمضاء. وبه كُتبت أكثرُ إجازات الثلث والنسخ: سجلُّ من أجاز من. إنه خطُّ السلطة بمعناها الحرفي: الكلماتُ التي تجعل الخطاطَ خطاطاً.
من أهل الحديث إلى أهل القلم
الإجازة في اللغة الإذن. وأول من استعملها أهلُ الحديث: يأذن الشيخ لتلميذه أن يروي عنه ما أخذه، مشافهةً أو كتابة. وبحسب موسوعة وقف الديانة التركي الإسلامية، فإن أقدم إجازة مكتوبة معروفة كتبها الربيع بن سليمان المرادي بيده في ذي القعدة سنة 265 هـ / يوليو 879 م، يأذن فيها بنسخةٍ من «الرسالة» لشيخه الشافعي في ثلاثة أجزاء. ثم انتقلت الصيغة نفسها إلى الفقه والقراءات والطب والطرق الصوفية والصنائع.
وكان العلماء يكتبون الإجازة على الورقة الأولى من الكتاب أو الأخيرة. ففي صفر سنة 895 هـ / يناير 1490 م، قبل سقوط غرناطة بعامين، كتب خطيبُها المواق إجازةً لآخر سلاطين بني نصر، أبي عبد الله محمد الثاني عشر، في مخطوطٍ محفوظ اليوم في الإسكوريال. وتنسب المصادر العثمانية إلى زين الدين عبد الرحمن بن الصائغ (ت 845 هـ / 1442 م) أنه أول من سنّ إجازة الخطاطين مستقلّة، ثم بقي هذا العرف قروناً.

صفر 895 هـ / يناير 1490 م · مكتبة دير الإسكوريال، قرب مدريد
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
قلم الإجازة
تقول الرواية العثمانية إن اسم «خط الإجازة» جاء من الاستعمال: فالرقاع هو القلم الذي جرت العادة أن تُكتب به الإجازات. والرقاع فرعٌ من التوقيع، قلم الديوان الذي سمّاه الوزير العباسي الفضل بن سهل (ت 202 هـ / 818 م) «الرياسي»، وأمر أن تُكتب به المراسيم والرسائل. أمّا كتبٌ عربية كثيرة فتسمّي خطّ الإجازة التوقيعَ، ويردّ بعضها هذا الاسم إلى توقيع الشيخ المجيز على الإجازة. وهذا الرقاع القديم غير الرقعة التي نكتب بها اليوم.
يُكتب الرقاع بقلمٍ عرضُه نحو نصف قلم التوقيع، أي بعرض قلم النسخ، وطول ألفه خمس نقاط، وفي الثلث سبع. حروفه أكثر استدارة، والألف والراء والواو، وهي لا تتصل عادة، تمتدّ فيه حتى تمسّ ما بعدها. وعيون العين والقاف والميم والواو في وسط الكلمة وآخرها شبه مطموسة، ولام الألف بلا عقدة. وضع ابن مقلة قواعده، وضبط ابن الخازن مقاييسه الكلاسيكية. وكُتبت به، إلى جانب الإجازات، خواتيم الكتب وقيود المقابلة والسماع وحُجج الأوقاف.

1219 هـ / 1804–1805 م · متحف والترز للفنون، بالتيمور
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
الطريق الطويل إلى الإجازة
كان التلميذ في إسطنبول يتعلّم بالمَشْق: يكتب له الأستاذ سطراً واحداً كل أسبوع، فيحاكيه حتى يستقيم. ويُدرَّس الثلث والنسخ معاً، وأول ما يُكتب دعاء: «ربِّ يسِّر ولا تعسِّر، ربِّ تمِّم بالخير». ثم تأتي الحروف المفردة، ثم الحروف المركّبة اثنين اثنين، ثم الآيات والقصائد كاملة، وهي المركّبات.
وكان الأستاذ يضع تحت كل مشقٍ علامةً صغيرة مركّبة من حروف كلمة «سعي». فإن أخطأ التلميذ في حرف، كتبه الأستاذ تحت سطره من جديد وبيّن مقاييسه بالنقاط، وإن أحسن في موضع أحاطه بخطٍّ من قلمه. فإذا فرغ من الحروف كتب له: «تمّت الحروف بعون الله الملك الرؤوف». وكان التلميذ الموهوب المواظب يقطع الطريق كلّه في ثلاث سنوات إلى خمس.

القرن التاسع عشر · مكتبة الكونغرس، واشنطن
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

1880–1881 م · متحف صاقب صابانجي، إسطنبول
الصورة: Dosseman، ويكيميديا كومنز (Istanbul Sakip Sabanci Museum Calligraphic exercise in Nesih and rıka script by Hasan Rıza, 1880-81 in 2014 8803.jpg)، CC BY-SA 4.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/4.0)
الإجازة نفسها
وفي الامتحان الأخير يختار الأستاذ قطعةً لأحد الأساتذة القدماء، فيحاكيها التلميذ محاكاةً دقيقة. وكتب كثيرون لهذا الغرض حليةً شريفة، وبعضهم نسخ جزءاً من المصحف أو المصحف كله بالنسخ. فإذا رضي الأستاذ كتب تحت القطعة بالرقاع ما معناه: أجزتُ كاتبَ هذه القطعة اللطيفة أن يضع توقيعه تحت ما يكتب، أطال الله عمره وزاد علمه. ثم يذكر اسمه والتاريخ، وكثيراً ما يقول: «أنا معلّمه».
ومن يومها يحقّ للخطاط الجديد أن يكتب «كتبه» تحت أعماله، ولذلك سُمّيت الإجازة أيضاً «قطعة الكَتَبَة». وكانت تُمنح في مجلس يُعقد غالباً في مسجد، بحضور أساتذة آخرين يكتبون تحتها سطور تصديقهم. وفي إجازاتٍ من أدرنة ثلاثون أو أربعون تصديقاً. وقد يُمنح التلميذ في المجلس لقباً فنياً: فالاسم الثاني لإسماعيل زهدي ومصطفى راقم أُعطي لهما على هذا النحو.

1206 هـ / 1791 م · مكتبة الكونغرس، واشنطن
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

1280 هـ / 1863–1864 م · متحف صادبرك هانم، إسطنبول
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

القرن التاسع عشر · مجموعات خليلي، لندن
الصورة: Khalili Collections، ويكيميديا كومنز (Khalili Collection Islamic Art cal-0255.jpg)، CC BY-SA 3.0 igo (creativecommons.org/licenses/by-sa/3.0/igo)
في أرجاء الدولة، وفي أيامنا
وسارت إجازات التعليق على النهج نفسه، ويُكتب الإذن فيها بالتعليق الدقيق. وُلد محمد أسعد مشلولَ الشقّ الأيمن، فأبى أحد كبار الأساتذة أن يقبله تلميذاً، ثم أجازه دده زاده محمد سعيد سنة 1167 هـ / 1754 م. والقطعة محفوظة اليوم في قصر طوب قابي، وفيها اسمه وتوقيعه الفني «محمد أسعد»، ولقبه «يساري»، أي الأعسر. وحافظ كبار الأساتذة على هذا العرف حتى في الكِبَر: فقد أخذ الحاج محمد نظيف إجازة التعليق من سامي أفندي وهو في الستين.
وبلغ هذا النظام أطراف الدولة. فقد نال حسين راقم إسلاموفيتش السراييفي (1839–1895) في إسطنبول إجازتين في الثلث والنسخ من محمد شوقي ويحيى حلمي، وإجازتين في التعليق، وهي محفوظة في مكتبة الغازي خسرو بك. وفي سنة 1914 افتُتحت في إسطنبول مدرسة الخطاطين، وكانت الشهادات الرسمية التي تمنحها لخرّيجيها تُكتب دائماً بالديواني، أيّاً كان الخطّ الذي درسوه، ويختمها الأستاذ. وما زالت مدرستا محمد شوقي ومصطفى عزت قائمتين في التعليم، وما زالت الإجازة هي اللحظة التي يصير فيها التلميذ خطاطاً.

القرن التاسع عشر · متحف مكتبة الغازي خسرو بك، سراييفو
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
المصادر
- محمد أوغور درمان، مادة «خطاط» (بالتركية)، موسوعة وقف الديانة التركي الإسلامية، 1997
- جميل آق بينار، مادة «إجازة» (بالتركية)، موسوعة وقف الديانة التركي الإسلامية، 2000
- محيي الدين سرين، مادة «رقاع» (بالتركية)، موسوعة وقف الديانة التركي الإسلامية، 2008
- محيي الدين سرين، مادة «توقيع» (بالتركية)، موسوعة وقف الديانة التركي الإسلامية، 2012
- محمد أوغور درمان، مادة «يساري محمد أسعد» (بالتركية)، موسوعة وقف الديانة التركي الإسلامية، 2013
- مليحة تيباريتش، «حسين راقم إسلاموفيتش، خطاط بوسني من القرن التاسع عشر» (بالإنجليزية)، مجلة الفنون الإسلامية الإلكترونية
- يان جينكا، «مخطوطٌ لآخر سلاطين الأندلس ومصير مكتبة بني نصر في الحمراء» (بالإنجليزية)، مجلة المخطوطات الإسلامية، 2018 (كما تذكره بطاقة الصورة)
- ويكيبيديا العربية، مقالة «خط الإجازة»
جرّبه الآن بهذا الخط: أجزتُ له أن يكتب
افتحه في الستوديو ←كتبها ستوديو مشق · آخر تحديث 2026-10-05. للاستزادة، المراجع القياسية بالإنجليزية: Sheila S. Blair, Islamic Calligraphy (Edinburgh University Press, 2006) · Annemarie Schimmel, Calligraphy and Islamic Culture (New York University Press, 1984) · Yasin Hamid Safadi, Islamic Calligraphy (Thames and Hudson, 1978).
تابع الاستكشاف
من مجلة المتجر: مقالة ذات صلة