المغربي — يدُ الغربِ الإسلامي
بينما كان المشرقُ يهذّب النسخَ والثلث، أنبتت بلادُ المغرب والأندلس خطاً من طينتها. وفي أصله خلاف: فالكتب القديمة تجعله سليلَ الكوفي، ويردّه أومبرتو بونجانينو إلى أقلام الكتب المدوَّرة في أندلس القرن الثالث الهجري. حفظ عاداتٍ هجرها المشرق: كؤوسٌ عميقة تغوص تحت السطر، وقافٌ بنقطة واحدة وفاءٌ منقوطة من تحت، وقلمٌ مدبّب يعطي خطاً متساوي السُّمك. كُتبت به مصاحفُ قرطبة ومراكش وفاس، على رقوقٍ مصبوغة أحياناً، وما زال المغرب يكتب به، وبه طبع مصحفه سنة 2010 — صوتٌ إقليمي لم يذعن للذوق العثماني. إيقاعه أفقيٌّ كريم، تنساب سُفلياتُه كموجٍ تحت النص.
الجذور: القيروان وقرطبة
بلغت الكتابةُ العربية شمالَ إفريقيا مع الفتوح في القرن الأول الهجري، وكتب أوائلُ النسّاخ في إفريقية والأندلس بأقلامٍ يابسة ذات زوايا. وصارت القيروان مركزاً لصناعة الكتاب، ففي سنة 410 هـ / 1020 م أوقفت فاطمة، حاضنةُ الأمير الزيري المعزّ بن باديس، على جامعها الكبير مصحفاً على الرَّق، كتبه وذهّبه علي بن أحمد الورّاق. مقاس الورقة 44.5 × 30 سم، وفي كل صفحة خمسة أسطر. وأكثر أوراقه اليوم في متحف رقّادة، وسائرها موزّع بين تونس وكوبنهاغن ونيويورك والدوحة.
أمّا كيف نشأ القلمُ المغربي المدوَّر من هذا الوسط فمسألةٌ خلافية. فكتبٌ كثيرة، على أثر المستشرق الفرنسي أوكتاف هوداس، تجعل المغربيَّ سليلَ الكوفي مباشرة، ورأى فرانسوا ديروش أن أصله خطٌّ ديوانيّ قديم. أمّا أومبرتو بونجانينو، الذي درس أكثر من مئتي مخطوط مؤرَّخ من القرن الرابع إلى السادس الهجري، فيرى نسبته إلى الكوفي مضلِّلة، ويقول إن الخطّ المدوَّر نشأ أواخر القرن الثالث الهجري من أقلام الكتب العادية في الأندلس، كما نشأ النسخ في المشرق من أقلام الكتب العباسية، ثم صار علامةً على هوية أهل الأندلس. ومن أقدم الشواهد على هذا الافتراق رسالةٌ في الأقلام من القرن الثالث الهجري، وصلتنا في نسخة من القرن الثاني عشر الهجري نُقلت عن أصلٍ مؤرَّخ سنة 413 هـ، تذكر إلى جانب الكوفي «القلمَ المغربي وهو الأندلسي».

نحو 410 هـ / 1019–1020 م · متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك
الصورة: ويكيميديا كومنز، CC0
الدول التي صاغته
حمل المرابطون الذوقَ الأندلسي إلى أرجاء المغرب، وعلى المنبر الذي أهدوه إلى جامع القرويين بفاس سنة 1144 م خطٌّ ليّنٌ مهيب يُعرف اليوم بالثلث المغربي. ويؤرّخ بونجانينو ظهوره بأواخر القرن الخامس الهجري، ويردّه إلى نماذج مشرقية أُعيدت صياغتها في صقلية النورمانية وتونس وبلاد المرابطين. ثم جعله الموحّدون شارةً لدولتهم، يكتبونه بالذهب على الكتب والسكّة والمنسوجات. ونُسخت كتبُ ابن تومرت، مؤسّس دعوتهم، للبلاط: فمنها نسخةٌ كُتبت للخليفة يعقوب المنصور سنة 590 هـ / 1193–1194 م، ونسخٌ أخرى تُفتتح بصفحاتٍ من الثلث المغربي المذهَّب واللازورد الوفير.
وفي عهد بني مرين بفاس (1244–1465 م) استقرّ الخطّ على صورته التامّة، وقد لاحظ ابن خلدون ما أفاده من كتّاب الأندلس الذين نزلوا المدينة. وما زال وجهُه الجليل مقروءاً على جدران المدرسة البوعنانية، التي بُنيت للسلطان أبي عنان فارس بين 1350 و1355 م؛ وفيها جصٌّ منقوش يذكر اسم السلطان، تحته شريطٌ من حروفٍ مقطوعة من الزليج المزجَّج.

1258–1286 م · المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، الرباط
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

1350–1355 م · المدرسة البوعنانية، فاس
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
قلمٌ واحد وأنواعٌ عدّة
يعدّ الباحثون المغاربة عادةً خمسة أنواع: المبسوط، وهو خطّ الكتاب الهادئ تُنسخ به المصاحف والمتون؛ والمجوهر، وهو أسرع وأكثر اتصالاً، كتب به الديوانُ الظهائرَ والرسائل؛ والثلث المغربي، للعناوين والجدران؛ والمسند، ويسمّى الزِّمامي، وهو خطّ العدول والعقود المائل؛ والكوفي المغربي الذي بقي في الزخرفة والسكّة.
واقترح المستشرق الفرنسي أوكتاف هوداس سنة 1886 تقسيماً بحسب الأقاليم: القيرواني والأندلسي والفاسي والسوداني. والخطوط السودانية أغلظ وأشدّ سواداً، وكُتبت في بلاد الساحل من تمبكتو إلى كانو وبرنو، وظلّت المصاحف تُنسخ بها في شمال نيجيريا في القرن التاسع عشر. وفي فاس ابتكر محمد بن القاسم القندوسي، الذي نشط بين 1828 و1861 م، أسلوباً شخصياً متأنّقاً ما زال يحمل اسمه.

القرن الرابع عشر · مجموعة ديفيد، كوبنهاغن
الصورة: Prof. Mortel، ويكيميديا كومنز (Copy of the Quran written in MAghribi scrip in Spain or Morocco, 14th cent., the Pink Quran, The David Collection, Copenhagen (1) (36409262125).jpg)، CC BY 2.0 (creativecommons.org/licenses/by/2.0)

نحو 1830–1880 م · شمال نيجيريا؛ متحف الفنون الجميلة، بوسطن
الصورة: Qubbat3924، ويكيميديا كومنز (Quran 19th century Nigeria, Maghribi style, Boston Museum of Fine Arts.jpg)، CC BY-SA 4.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/4.0)
كيف تعرفه
ابدأ بحرفين: الفاء في المغربي تُنقط بنقطة من تحت (ڢ)، والقاف بنقطة واحدة من فوق (ڧ)، أما في خطوط المشرق فنقطة الفاء فوقها وللقاف نقطتان. ورأسا الصاد والضاد بلا «سِنّ» قبلهما. وقد تنتهي قامتا الألف واللام بعُقدة صغيرة، والألف المتطرّفة تُكتب من أعلى إلى أسفل.
ثم انظر إلى الخطّ نفسه: كان الكاتب يبري القلم مدبّباً لا عريضَ القطّة، فيبقى سُمك الخطّ متقارباً في كل موضع. وتنفتح أقواس النون والسين واللام في آخر الكلمة انفتاحاً واسعاً، وتنزل تحت السطر نزولاً بيّناً. وفي المصاحف يُكتب المتن بالحبر الداكن، والضبطُ بالألوان: نقطٌ حمراء وخضراء وصفراء وزرقاء، كما في جزءٍ مغربي من القرن السادس الهجري محفوظ في متحف والترز.
وإن أردت أن تجرّبه فخذ قلماً رفيعاً مدبّباً واكتب على مهل، واجعل أجسام الحروف منخفضة، ودع الأقواس النازلة تأخذ مداها.

نحو 1300 م · متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي · متحف والترز للفنون، بالتيمور
الصورة: ويكيميديا كومنز، CC0
خطٌّ حيّ
دخل المغربيُّ عالمَ الطباعة سنة 1864، حين جلب محمد الطيّب الروداني الطباعة الحجرية إلى المغرب، فصار المجوهر خطَّ المتن المعتاد في الكتب الحجرية. وفي عهد الحماية الفرنسية انتشر الحرف اللاتيني في المدارس، فناضلت الحركة الوطنية المغربية لصون الخطّ القديم؛ ونشر محمد بن الحسين السوسي وأنطونيو غارسيا خاين سنة 1949 خمس كراسات لتعليمه بعنوان «تعليم الخط المغربي».
واليوم يُدرَّس هذا الخطّ ويُكافأ من جديد: ففي سنة 2007 أصدر عمر أفا ومحمد المغراوي كتاباً في تاريخه، وفي 2008 أنشأت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية جائزة محمد السادس لفن الخط المغربي، وفي 2010 أصدرت المملكة مصحفها المطبوع برواية ورش وبالحرف المغربي. وفي تونس لفت الرئيس قيس سعيّد الأنظار سنة 2020 حين كتب به رسائله الرسمية بيده.

25 ذو القعدة 1281 هـ / 20 أبريل 1865 م · المغرب؛ منشورة في كتاب «الخط المغربي: تاريخ وواقع وآفاق» لعمر أفا ومحمد المغراوي
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
المصادر
- أومبرتو بونجانينو، تقاليد المخطوط في الغرب الإسلامي: الخطوط المغربية المدوّرة والهوية الأندلسية (بالإنجليزية)، مطبعة جامعة إدنبرة، 2022
- أومبرتو بونجانينو، «قوّة المنحنيات: نشأة الثلث المغربي في القرنين الخامس والسادس الهجريين» (بالإنجليزية)، مجلة الثقافات المادية في العالم الإسلامي، 2023
- ويكيبيديا الإنجليزية، مقالة «Maghrebi script»
- ويكيبيديا العربية، مقالة «خط مغربي»
- ويكيبيديا الإنجليزية، مقالة «Kairouani calligraphy» (الخط القيرواني)
- متحف والترز للفنون، بالتيمور، بطاقة المخطوط W.556 (مصحف مغربي، القرن السادس الهجري)
- أنوك كوهين، «رؤية الكتاب وسماعه: طبعة مغربية للمصحف» (بالفرنسية/الإنجليزية)، مجلة Gradhiva، 2017
- ويكيبيديا الإنجليزية، مقالة «Bou Inania Madrasa» (المدرسة البوعنانية)
- أومبرتو بونجانينو، تقاليد المخطوط في الغرب الإسلامي (أطروحة دكتوراه، بالإنجليزية)، جامعة أكسفورد، 2017
جرّبه الآن بهذا الخط: بسم الله الرحمن الرحيم
افتحه في الستوديو ←كتبها ستوديو مشق · آخر تحديث 2026-10-05. للاستزادة، المراجع القياسية بالإنجليزية: Sheila S. Blair, Islamic Calligraphy (Edinburgh University Press, 2006) · Annemarie Schimmel, Calligraphy and Islamic Culture (New York University Press, 1984) · Yasin Hamid Safadi, Islamic Calligraphy (Thames and Hudson, 1978).
تابع الاستكشاف
من مجلة المتجر: مقالة ذات صلة