الحروفية — الحرف يدخل صالة العرض
في منتصف القرن العشرين طرح فنانون عرب سؤالاً جريئاً: ماذا لو غادر الحرفُ الصفحةَ ودخل اللوحة؟ أجابت الحروفية — من الحرف — عبر المنطقة كلها: مديحة عمر تعرض تجريدات الحروف في واشنطن في الأربعينيات، وشاكر حسن آل سعيد في بغداد يجعل الحرف حقلاً صوفياً، وضياء العزاوي ورشيد قريشي وغيرهما يحوّلون الخط إلى تكوين خالص. حرّرت الحروفيةُ الحرفَ من واجب القراءة: فالحاء قد تكون موجةً أو عيناً أو وطناً. وكلما فصلتَ كلمةً إلى حروف في هذا الستوديو ولويتَ أحدها زخرفةً، فأنت تعمل في سلالتهم.
اسمٌ له تاريخان
كان للكلمة عمرٌ أقدم. ففي أواخر القرن الرابع عشر أسّس فضل الله الأسترابادي (نحو 1340–1394 م) مذهب «الحروفية»، وهو مذهب صوفي باطني يرى في حروف العربية الثمانية والعشرين وحروف الفارسية الاثنين والثلاثين علاماتٍ إلهية مكتوبةً في وجه الإنسان. وقتله ميران شاه بن تيمور في ألنجة قرب نخجوان سنة 1394 م. وبقي كثير من مخطوطات الحروفيين لأن التكايا البكتاشية حفظتها.
وأخذت حركة القرن العشرين الاسم دون المذهب. فقد أطلقه الرسامون والنقاد والمقتنون على فنٍّ يتخذ الحرف العربي مادّته، قُرئت كلماته أم لم تُقرأ.
وقبلهم بزمن طويل صنع الخطاطون من الحروف صوراً: أسداً من دعاءٍ لعلي، وعبارةً مكتوبة إلى جانب صورتها في المرآة. وهذه الأعمال القديمة هي وحدها صور هذه الصفحة؛ فأصحاب الحركة رحلوا منذ زمن قريب أو ما زالوا أحياء، وأعمالهم محمية بحقوق المؤلف، فلا نعرض منها شيئاً.

أوائل القرن السادس عشر · مكتبة جامعة إسطنبول
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

نحو 1720–1730 م · مكتبة الكونغرس، واشنطن
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

1280 هـ / 1863–1864 م · مجموعة ديفيد، كوبنهاغن
الصورة: Richard Mortel، ويكيميديا كومنز (Calligraphy from Tukey, 1863-64, The David Collection, Copenhagen (35601784193).jpg)، CC BY 2.0 (creativecommons.org/licenses/by/2.0)
واشنطن وبغداد
تُذكر مديحة عمر (1908–2005 م) أولاً في العادة، وقد وُلدت في حلب ودرست في إسطنبول ولندن وواشنطن. عرضت سنة 1949 في واشنطن لوحات مبنية من الحروف العربية. وتختلف المصادر في المكان: فويكيبيديا الإنجليزية تذكر مكتبة جورجتاون العامة وتعدّ اثنتين وعشرين لوحة، ويذكر محسن الذهبي في مقالة عربية المعرض الدوري لمتحف الكوركوران. وتختلف كذلك في سنة نشر مقالتها عن الخط العربي عنصراً ملهماً للفن التجريدي: 1949 أم 1950.
وفي بغداد كان الرسام جميل حمودي (1924–2003 م)، بشهادة شاكر حسن آل سعيد، يُدخل الكلمة المكتوبة في لوحاته منذ سنة 1947، فليس لسؤال الأسبقية جواب واحد. وفي سنة 1951 أسّس شاكر حسن آل سعيد وجواد سليم جماعة بغداد للفن الحديث، وكان شعارها «استلهام التراث» باباً فُتح منه الطريق إلى الحرف.

نحو 1600 م · متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك (مرقّع بيليني)
الصورة: ويكيميديا كومنز، CC0
شاكر حسن آل سعيد والبعد الواحد
كتب شاكر حسن آل سعيد (1925–2004 م)، المولود في السماوة، بيانَ جماعة بغداد وقرأه في معرضها الأول سنة 1951، ويُعدّ أول بيان فني نُشر في العراق. وكان كاتباً بقدر ما كان رساماً، وصدرت كتبه بالعربية عن الفن العراقي وجماليات الخط العربي من سنة 1969 إلى التسعينيات.
وفي سنة 1971 أسّس جماعة «البعد الواحد» وكتب بيانها. فالحرف عنده إشارةٌ تتجاوز السطح المستوي، و«البعد الواحد» رمزٌ للأزلي، وفي فكره أثر التصوف بيّن. ومن أعماله «نافذة على الكلمة» (1966) و«شريط جداري رقم 4» (1992)، وهو اليوم في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، ومن أعماله في «متحف» بالدوحة، وغوغنهايم، ومتحف الشارقة للفنون، ودارة الفنون في عمّان.

1250 هـ / 1834–1835 م · إيران القاجارية؛ مكان الحفظ الحالي غير مذكور
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
الخرطوم وطهران وما بعدهما
في السودان نشأ إبراهيم الصلحي (وُلد 1930) في أم درمان، وكان أبوه يقوم على خلوة لتعليم القرآن. ثم درس الفنون الجميلة في كلية غوردون التذكارية بالخرطوم منذ سنة 1949، وذهب بمنحة إلى مدرسة سليد في لندن سنة 1954. ويُعدّ مع أحمد شبرين (1931–2017) وكمالا إسحاق من «مدرسة الخرطوم» التي تكوّنت سنة 1960، وبسّط رساموها الحرف العربي إلى أشكال مجرّدة. وفي سنة 2013 انتقل معرضه الاستعادي إلى تيت مودرن، وهو أول معرض كبير لأعماله في بريطانيا.
وفي إيران نشأ تيار موازٍ هو مدرسة «سقّاخانه»، استمدّ من الصور الدينية الشعبية والطلاسم والخط الفارسي. نال حسين زنده رودي (وُلد 1937) جائزة في بينالي باريس، وحمل برويز تناولي (وُلد 1937) الحروف إلى النحت، وكان فرامرز بيلارام (1937 أو 1938–1983) من حلقتهما. واشتغل ناصر عصّار (1928–2011) بالحرف من خارج الجماعة.
وتبعهم آخرون في أنحاء العالم العربي، منهم ضياء العزاوي في العراق ورشيد قريشي في الجزائر، ولكلٍّ صلته الخاصة بالحرف الكلاسيكي. فمنهم من أبقى الكلمات مقروءة، ومنهم من لم يُبقِ إلا حركة القلم.
تسمية الحركة
قدّم الكاتب اللبناني شربل داغر دراسة وافية للحركة في كتابه «الحروفية العربية: فن وهوية»، الصادر في بيروت سنة 1990، وتذكر بعض الفهارس سنة 1991، ثم صدرت ترجمته الإنجليزية سنة 2016 بدعم من مؤسسة بارجيل للفنون.
ثم جاءت المتاحف. فقد افتُتح معرض «من الكلمة إلى الفن: فنانو الشرق الأوسط الحديث» الذي نظّمته فينيشيا بورتر في المتحف البريطاني في 18 مايو 2006، وانتقل إلى دبي سنة 2008. وعُرض معرض مؤسسة بارجيل «الحروفية: الفن والهوية» في مكتبة الإسكندرية من 30 نوفمبر 2016 إلى 28 يناير 2017.
وما زال الدارسون يختلفون في التسمية. فقد عدّت مؤرّخة الفن ساندرا داغر الحروفيةَ أهمّ حركة في الفن العربي في القرن العشرين، في حين يرى «دليل كامبريدج إلى الثقافة العربية الحديثة» أنها لم تكن حركةً ولا مدرسة.
للمتعلّم: الحرف أولاً
تُرينا الصور القديمة في هذه الصفحة أن هذه الحرية ليست جديدة. فقد كتب الخطاطون العثمانيون والفرس والهنود طيوراً وأسوداً وفيلةً وسفناً من كلمات مقدّسة، وحافظوا على صحة الحروف وهم يفعلون. فالهدهد المحفوظ في برلين بسملة، وكل حركة فيه ما زالت حرفاً.
تعلّم الصلحي الحرف في خلوة أبيه قبل أن يرسمه بزمن. وهذا هو الترتيب الذي ينبغي اتباعه: تعلّم الحرف في قلم واحد، بميزانه بالنقط، حتى تعرفه يدك. ثم خذ حرفاً واحداً، حاءً أو نوناً، وغيّر فيه شيئاً واحداً كل مرة: حجمه، أو ثقله، أو اتجاهه، أو موضعه في الصفحة.
وإذا نظرت إلى عمل حروفي فانظر: هل تُقرأ كلماته، ومن أي قلم جاءت أشكاله. فالجواب يضع العمل بين الخط والرسم، وهناك اختارت الحركة أن تقف.

القرن السابع عشر · متحف الفن الإسلامي، متحف بيرغامون، برلين
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

1180 هـ / 1766–1767 م · متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك
الصورة: ويكيميديا كومنز، CC0

نُشر سنة 1891 م · طبعة ماكميلان، لندن، 1891 (نسخة مكتبة ويلكم)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
ما تزال أعمال الحركة نفسها محميّةً بحقوق المؤلف، لذلك تعرض هذه الصفحة أعمالاً أقدم صار فيها الحرف صورةً من قبل.
المصادر
- ويكيبيديا الإنجليزية، مواد «حركة الحروفية» و«مديحة عمر» و«شاكر حسن آل سعيد» و«إبراهيم الصلحي» و«الحروفية (المذهب)»
- حامد ألغار، «الحروفية»، الموسوعة الإيرانية (بالإنجليزية)
- تيت، «مدرسة الخرطوم»، معجم المصطلحات الفنية؛ وبيان صحفي «إبراهيم الصلحي: حداثي صاحب رؤية»، 2013 (بالإنجليزية)
- شربل داغر، الحروفية العربية: فن وهوية، بيروت، 1990 (وفي بعض الفهارس 1991)؛ والطبعة الإنجليزية، سكيرا ومؤسسة بارجيل للفنون، 2016
- فينيشيا بورتر، من الكلمة إلى الفن: فنانو الشرق الأوسط الحديث (بالإنجليزية)، منشورات المتحف البريطاني، 2006
- محسن الذهبي، «الحروفيون العرب: الريادة والهوية»، ديوان العرب، 2007
- حميد كشميرشكن، «سقّاخانه: المدرسة الفنية»، الموسوعة الإيرانية (إيرانيكا)، 2009 (بالإنجليزية)
- مكتبة الإسكندرية، «معرض الحروفية: الفن والهوية»، صفحة الفعاليات، 2016
جرّبه الآن بهذا الخط: ح
افتحه في الستوديو ←كتبها ستوديو مشق · آخر تحديث 2026-10-05. للاستزادة، المراجع القياسية بالإنجليزية: Sheila S. Blair, Islamic Calligraphy (Edinburgh University Press, 2006) · Annemarie Schimmel, Calligraphy and Islamic Culture (New York University Press, 1984) · Yasin Hamid Safadi, Islamic Calligraphy (Thames and Hudson, 1978).
تابع الاستكشاف
من مجلة المتجر: مقالة ذات صلة