MASHQ STUDIOستوديو مشق

English

الخط في العمارة — حين تُقرأ العمارة

حيث رسمت التقاليدُ الأخرى قدّيسيها على الجدران، كتبت العمارةُ الإسلامية. ففي قبة الصخرة نقش كوفي من الفسيفساء طوله نحو 240 متراً، مؤرخ في سنة 72 للهجرة (691–692 م). وتكرر الحمراء «ولا غالب إلا الله» حتى يكاد الجص نفسه يرتّل. وتحمل مساجد إسطنبول جاماتٍ من الثلث يبلغ قطرها أمتاراً، يكتبها أساتذة الخط على الورق ثم تُنقل إلى الجدران. ويحوّل الكوفي المربع مآذن بكاملها إلى آجرٍّ مقروء. ودرس المصمم هنا هو المقياس: الخط المرسوم لصفحةٍ يموت على جدار ما لم يُعَد بناء وزنه وفراغاته وتباينه للمسافة — ولهذا بالضبط تُعاد نسب قطع مشق ولا تُكبَّر فحسب.

أولى العمائر المكتوبة

يحمل الشريط الكوفي في قبة الصخرة، المصفوف بالفسيفساء حول الرواق المثمّن، أكثر من تاريخ. فكتابة إنشائه تذكر سنة 72 للهجرة، والآيات المختارة فيه تتحدث عن عيسى ابن مريم، وتكرر أن الله لا شريك له.

ويدلّ الشريط كذلك على أن النقش قد يُبدَّل. فقد مُحي منه اسم الباني، الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، ووُضع مكانه اسم العباسي المأمون (حكم 813–833 م)، وبقي التاريخ على حاله. وكان ملكيور دي فوغيه أول من نبّه إلى ذلك سنة 1864 م.

وفي القاهرة زُيّن جامع أحمد بن طولون (876–879 م) بإفريز قرآني محفور في خشب الجمّيز، مرفوع تحت السقف، كان طوله نحو كيلومترين، ولم يبقَ منه إلا قطع. وحروفه الكوفية طويلة رشيقة، محفورة بارزةً.

إفريز قرآني بالخط الكوفي محفور في خشب الجمّيز، جامع أحمد بن طولون
إفريز قرآني بالخط الكوفي محفور في خشب الجمّيز، جامع أحمد بن طولون
876–879 م · جامع أحمد بن طولون، القاهرة
الصورة: Prof. Mortel، ويكيميديا كومنز (Sycamore wood panel with Quranic inscription in the Mosque of Ibn Tulun, Cairo, 876-79 (2).jpg)، CC BY 2.0 (creativecommons.org/licenses/by/2.0)

الحجر والجصّ والخشب والقاشاني

تعرّف موسوعة الديانة التركية الكتابة المعمارية بأنها نقش محفور أو بارز على الرخام أو الحجر أو الخشب أو القاشاني أو المعدن، وقام الجصّ بهذا الدور في بلاد أخرى. فكتابة الإنشاء تذكر الباني وسنة البناء، وكتابة الترميم تسجّل التجديد. وكثيراً ما ذكرت الكتابات العثمانية، منذ القرن الخامس عشر، السنةَ بحساب الجُمَّل، في عبارة تجتمع أعداد حروفها في التاريخ.

ساد الكوفي القرون الأولى، ثم أخذت الأقلام اللينة، وفي مقدّمتها الثلث، مكانه على الجدران بعد القرن الحادي عشر تقريباً. ولم يغب الكوفي: ففي مدرسة السلطان حسن بالقاهرة، المبنية بين سنتي 757 و764 هـ / 1356–1363 م، شريط كوفي من سورة الفتح، محفور في الجص فوق أرضية من الأغصان الملتفّة، يملأ إيوان القبلة من طرفه إلى طرفه.

وذهب نحّاتو الحجر في الأناضول السلجوقية أبعد من ذلك. فعلى بوابة المدرسة ذات المئذنة الرشيقة (إنجه منارة لي) في قونية، التي أمر ببنائها الوزير صاحب عطا فخر الدين علي سنة 1265 م ووقّعها معمارها كولوك بن عبد الله، شريطان طويلان بالثلث من سورتي يس والنصر، يصعدان عن جانبي الباب، ثم ينعقدان فوقه ويفترقان.

شريط كوفي محفور في الجص على جدار المسجد، وأمامه سلاسل القناديل
شريط كوفي محفور في الجص على جدار المسجد، وأمامه سلاسل القناديل
757–764 هـ / 1356–1363 م · مدرسة السلطان حسن، القاهرة
الصورة: Mbenoist، ويكيميديا كومنز (Sultan Hasan Bismillah.JPG)، CC BY-SA 3.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/3.0)
البوابة الحجرية المنحوتة: شريطان بالثلث من سورتي يس والنصر يتعانقان فوق الباب ويفترقان
البوابة الحجرية المنحوتة: شريطان بالثلث من سورتي يس والنصر يتعانقان فوق الباب ويفترقان
بدأ بناؤها سنة 1265 م · المدرسة ذات المئذنة الرشيقة (إنجه منارة لي)، قونية
الصورة: Murat Özsoy 1958، ويكيميديا كومنز (Ince Minaret Medrese, Selçuklu, Konya, Turkey 04.jpg)، CC BY-SA 4.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/4.0)

الكوفي المربّع: الكتابة بالآجرّ

في إيران وآسيا الوسطى تعلّم البنّاؤون أن يكتبوا بالجدار نفسه. وأقدم كتابة معروفة نُظمت في الآجرّ، بحسب ويكيبيديا الإنجليزية، على مئذنة في غزنة من نحو سنة 1100 م تحمل اسم السلطان الغزنوي مسعود الثالث. ثم جاءت طريقة «البنّائي»، وفيها يُصفّ الآجرّ المزجّج والآجرّ الساذج حتى تتهجّى الألوانُ الكلمات.

والرأي الغالب أن الكوفي المربّع نشأ من هذه الصنعة: فحين يلتزم كل حرف شبكة الآجرّ تصير الحروف خطوطاً مستقيمة وزوايا قائمة. وأكثر ما يُكتب بها أسماء الله ومحمد وعلي، مكرّرةً في أشرطة تُقرأ من أكثر من جهة.

وتحمل مآذن مسجد الشاه في أصفهان (1611–1630 م) هذا النسج بالقاشاني المزجّج. فمن الصحن ترى العين سطحاً منسوجاً، ومن قرب ترى أسماءً.

مئذنة مكسوّة بالقاشاني يتكرر عليها اسما محمد وعلي بالكوفي المربع
مئذنة مكسوّة بالقاشاني يتكرر عليها اسما محمد وعلي بالكوفي المربع
1611–1630 م · مسجد الشاه (مسجد الإمام)، أصفهان
الصورة: Patrickringgenberg، ويكيميديا كومنز (Isfahan Royal Mosque minaret.JPG)، CC BY-SA 3.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/3.0)

جدرانٌ تتكلّم: الحمراء

تكسو الكتابةُ قصورَ بني نصر في غرناطة، محفورةً في الجص ومرصوفةً في الزليج. وشعار الأسرة، على الدروع والأشرطة في كل قاعة، ليس إلا البداية.

وإلى جانب الشعار قصائد نُظمت للقاعات، نظمها شعراء البلاط الذين تولّوا ديوان الإنشاء أيضاً: ابن الجيّاب، ولسان الدين ابن الخطيب، وابن زمرك الذي تقلّب في الوزارة وديوان الإنشاء مرةً بعد مرة بين سنتي 1354 و1393 م. وفي عدد من هذه القصائد يتكلّم البناء نفسه: قاعةٌ تصف نفسها لمن يقف فيها.

والكوفي، المورّق غالباً والمعقود أحياناً، لكلمات هي زخرفة أيضاً؛ أما القصائد فبخطٍّ لينٍ نصريّ.

شعار بني نصر منحوت في الجص وعليه «ولا غالب إلا الله»
شعار بني نصر منحوت في الجص وعليه «ولا غالب إلا الله»
العصر النصري، القرن الرابع عشر · القصور النصرية، قصر الحمراء، غرناطة
الصورة: SanchoPanzaXXI، ويكيميديا كومنز (Escudo de la dinastía nazarí (Palacio de la Alhambra, Spain).JPG)، CC BY-SA 4.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/4.0)

إسطنبول: من الورق إلى القبة

كانت الكتابة العثمانية على الجدار تبدأ على الورق. يكتب الخطاط النص بحجمه الكامل، ثم تُثقب حدود الحروف بثقوب دقيقة فيصير «قالباً»، ويُذرّ عليه مسحوق الفحم أو الطباشير فينفذ من الثقوب وينقل الحروف إلى السطح للنحّات أو النقّاش. وفي متحف الحضارات الآسيوية بسنغافورة قالبٌ كهذا من سنة 1856 م، تكوينٌ دائري بالثلث من النوع الذي يزيّن جدران المساجد ووسط القباب.

وجامع السليمانية الذي بناه سنان (1550–1557 م) بناءٌ مكتوب، تُنسب كتاباته كلها تقريباً إلى حسن چلبي تلميذ أحمد قره حصاري. وفوق باب الحرم يحمل ثلثُه نصَّ الإنشاء الذي أنشأه شيخ الإسلام أبو السعود أفندي، وفيه اسم السلطان وألقابه ونسبه. وعن جانبي المحراب جامتان من قاشاني إزنيق فيهما سورة الفاتحة.

أما أكبر الجامات فعُلّقت في آيا صوفيا أثناء ترميمها بين سنتي 1847 و1849 م في عهد السلطان عبد المجيد. كتب قاضي عسكر مصطفى عزت أفندي ثماني جامات يبلغ قطر الواحدة نحو 7.5 أمتار، بالثلث الجلي، فيها اسم الجلالة واسم النبي ﷺ وأسماء الخلفاء الأربعة والحسن والحسين.

قباب جامع السليمانية الذي بناه سنان وفيها جامات بخط الثلث
قباب جامع السليمانية الذي بناه سنان وفيها جامات بخط الثلث
1550–1557 م · جامع السليمانية، إسطنبول
الصورة: İhsan Deniz Kılıçoğlu، ويكيميديا كومنز (Süleymaniye Mosque dome.JPG)، CC BY-SA 3.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/3.0)
إحدى الجامات الثماني الكبرى بخط قاضي عسكر مصطفى عزت أفندي: «الله جلّ جلاله»
إحدى الجامات الثماني الكبرى بخط قاضي عسكر مصطفى عزت أفندي: «الله جلّ جلاله»
1847–1849 م · آيا صوفيا، إسطنبول
الصورة: Adam Kliczek، ويكيميديا كومنز (Istanbul, Hagia Sophia, Allah.jpg)، CC BY-SA 3.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/3.0)

المقياس، وكيف تُقرأ العمارة

جاء عبد الحق الشيرازي إلى الهند مع أخيه الأكبر أفضل خان نحو سنة 1608 م، ووقّع كتابات بوابة ضريح أكبر في سكندرا سنة 1022 هـ / 1613 م. ومنذ سنة 1631 م صمّم كتابات ضريح ممتاز محل، ولقّبه شاه جهان «أمانت خان» سنة 1632 م. وتوقيعه داخل التاج مؤرخ سنة 1048 هـ / 1638 م، ويقال كثيراً إنه اسم الفنان الوحيد فيه. ثلثُه مُنزَّل بالحجر الداكن في الرخام الأبيض، وحروفه تكبر كلما ارتفعت حتى تبدو للناظر من الأرض على قدر واحد.

والكلمة التركية للخط المعماري «جَلي» معناها الواضح: قلمٌ عريض يُقرأ من بعيد. فالحرف المكتوب للجدار يُرسم من جديد للجدار: أثقل مدّاً، وأوسع فراغاً بين الكلمات، وأقوى تبايناً.

ولتقرأ بناءً، ابدأ من الباب: كتابة الإنشاء فوق البوابة تذكر في الغالب الباني والسنة. ثم تتبّع كل شريط من مبدئه إلى منتهاه، وتعلّم الصيغ التي تتكرر في كل مكان: البسملة، والشهادتين، وآية الكرسي، واسم الجلالة، واسم النبي ﷺ، وأسماء الخلفاء.

شريط بالثلث مُنزَّل بالحجر الداكن في الرخام الأبيض، يصعد بجانب قوس من أقواس تاج محل
شريط بالثلث مُنزَّل بالحجر الداكن في الرخام الأبيض، يصعد بجانب قوس من أقواس تاج محل
نحو 1632–1638 م · تاج محل، آغرا
الصورة: Bjørn Christian Tørrissen، ويكيميديا كومنز (Taj Mahal Calligraphy Example.jpg)، CC BY-SA 3.0 (creativecommons.org/licenses/by-sa/3.0)

المصادر

جرّبه الآن بهذا الخط: لا غالب إلا الله

افتحه في الستوديو ←

كتبها ستوديو مشق · آخر تحديث 2026-10-05. للاستزادة، المراجع القياسية بالإنجليزية: Sheila S. Blair, Islamic Calligraphy (Edinburgh University Press, 2006) · Annemarie Schimmel, Calligraphy and Islamic Culture (New York University Press, 1984) · Yasin Hamid Safadi, Islamic Calligraphy (Thames and Hudson, 1978).

📮 رسالة واحدة في الشهر من الستوديو

تابع الاستكشاف

ابن مقلةهاشم البغدادياسم زايد قطعةًاسم نور قطعةًاسم بدر قطعةً🛍 قطع ديكورمعرض التصاميم

من مجلة المتجر: مقالة ذات صلة

→ الحلية — صورة من كلمات الحروفية — الحرف يدخل صالة العرض ←

التصميم مجاني من أي مكان · صناعة الإمارات · التوصيل داخل الإمارات 50 درهمًا وحول العالم 250 درهمًا للطلب