الرقعة — خط الناس
الرقعة أحدث الخطوط الكلاسيكية، قُعّدت في إسطنبول القرن التاسع عشر ليكتب موظفو الدولة العثمانية كلهم يداً واحدة واضحة سريعة. جرّات قصيرة ومنحنيات مقتضبة وبلا زخرفة: خطٌّ صُمم ليُنجَز لا ليُتأمَّل — ولهذا بالذات صار خطَّ اليد اليومي في أكثر البلاد العربية، والمغربُ أقلّها استعمالاً له. لافتات الدكاكين ودفاتر المدارس وقصاصات المطبخ: كثيرٌ منها بالرقعة. وفي هذا الستوديو هو توقيع الاسم — فالكلمة العربية في شعار «مشق» مكتوبة بخط عارف الرقعة، تحيةً ليد الحياة اليومية.
خطّان واسمٌ واحد
الرقعة في اللغة قطعةُ الورق أو الجلد. وقبل العثمانيين بقرون كان «الرِّقاع» اسماً لأحد الأقلام الستة: قلمٌ صغير سريع من أسرة التوقيع، تُكتب به الرسائل والتعليقات في هوامش الكتب وخواتيمها. وكان الخطاطون يكتبون به إجازاتهم، فسُمّي أيضاً «خط الإجازة». وطول الألف فيه خمس نقاط بقلمه. وتردّه موسوعة الديانة التركية إلى القرن الثامن، حين استخرج الكاتب الشاعر يوسف لقوة من الثلث طريقةً جديدة صارت قلم التوقيعات، ومنها خرج الرقاع، ثم أقام ابن مقلة نظام الاثنين.
أما رقعة العثمانيين فلا تشاركه إلا في الاسم تقريباً. وفي ويكيبيديا العربية رأيان في أصلها: أنها خرجت من النسخ والثلث، أو أنها أُخذت من الديواني ومن السياقت، خطّ المحاسبين. وتصفها موسوعة الديانة التركية بأنها ديوانيٌّ نُزع منه كل ما يُبطئ اليد.

1093 هـ / 1692 م · مجموعات خليلي، لندن
الصورة: Khalili Collections، ويكيميديا كومنز (Khalili Collection Islamic Art cal 0225.2.jpg)، CC BY-SA 3.0 IGO
من دواوين الباب العالي
لا يُعرف على وجه الدقة متى ظهرت. يضع أحد المؤرخين صورةً أولى لها في إمارة ذي القدر في جنوب شرق الأناضول بعد منتصف القرن الخامس عشر، والمؤكد أنها كانت في الديوان الهمايوني منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وفي القرن التاسع عشر صارت خطَّ الحياة اليومية والرسائل ودوائر الحكومة في الباب العالي.
ثم وضع ممتاز أفندي ليد الكتّاب قواعد ثابتة. وتجعل موسوعة الديانة التركية وفاته سنة 1872 في مادة وسنة 1871 في أخرى، وتجعل ويكيبيديا العربية قواعده سنة 1280 هـ / 1863 م. وبعده درس محمد عزت أفندي، معلّم الخط في مكتب غلطة سراي السلطاني، خطوطَ رجال الدولة عالي باشا وفؤاد باشا وجودت باشا، فأخرج طريقةً جديدة أوضح، حروفها أحسن نسبةً وأقلّ قِصَراً، فنُسيت طريقة الكتّاب القديمة مع الزمن. ولم يرضَ بها الجميع: فبحسب موسوعة الديانة التركية لم يستحسنها سامي أفندي وغيره ممن لزموا رقعة الباب العالي، لأنها أفقدت الرقعة سرعتها، وهي غايتها.
وُلد محمد عزت سنة 1841 (1257 هـ)، وتوفي في 18 يناير 1903 (شوال 1320 هـ) بحسب موسوعة الديانة التركية، وبعضهم يجعل وفاته سنة 1904. وتنسب ويكيبيديا الإنجليزية الفضل إلى رجل آخر هو قاضي العسكر مصطفى عزت (1801–1876)، فالاسمان يلتبسان كثيراً. وطبع عزت نماذجه مع الحافظ تحسين في «خطوط عثمانية» (إسطنبول، طبعات 1296 و1306 و1309 هـ)، فبلغت الطباعةُ بمشق أستاذٍ واحد مدارسَ كثيرة.

1271 هـ / 1854–1855 م · متحف والترز للفنون، بالتيمور
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

1913 م · منشورة في موسوعة الديانة التركية الإسلامية
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
كيف تُبنى الرقعة
ضعها إلى جانب الديواني ترَ ما نُزع منه. قُصّرت الحروف القائمة، وذهبت الترويسات والتعاريج، واستقام الميل إلى اليسار حادّاً، وطُمست عيون الفاء والقاف والميم والواو، وصارت أسنان السين خطّاً مستوياً. وتضيف ويكيبيديا العربية أن الفاء والقاف في وسط الكلمة تبقى عيونهما مفتوحة.
والنقطة فيها نصف نقطة القلم التامّة. وتصير النقطتان شَرطةً قصيرة، والثلاث قوساً صغيراً. ولا تُشكَّل الكلمات، وتجلس الحروف على السطر، ولا ينزل عنه إلا قليل: أحواض الجيم والحاء والخاء والعين والغين منفردةً، وذيل الميم في آخر الكلمة.
وفي كرّاسة هاشم البغدادي طول ألف الرقعة ثلاث نقاط، والنقطة جرّةٌ قصيرة قائمة. ويُكتب الخط كله صغيراً سريعاً دون أن تضيع صورته، ولهذا يتّسع للصفحة المزدحمة.

1892 م · كتاب «خطوط عثمانية»، طُبع في إسطنبول
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
يدُ العالم العربي
وبلغت رقعةُ عزت البلادَ العربية على أيدي تلاميذه: تذكر موسوعة الديانة التركية منهم عبد الرزاق عوض ونجيب الهواويني، وقد جاءا من مصر إلى إسطنبول ليأخذا عنه. ولما دخلت الرقعة المدارس تبعتها الكراريس. وفي القاهرة حفظت مدرسة تحسين الخطوط العربية، التي افتُتحت في عهد الملك فؤاد سنة 1922، التعليمَ على الطريقة العثمانية، وكان أول أساتذتها عبد العزيز الرفاعي.
والرسائل تُرينا هذه اليد وهي تعمل: رسالة جبران خليل جبران إلى مي زيادة سنة 1915، ورسالة العلّامة المصري أحمد تيمور باشا سنة 1924، ورسالة علي بن الحسين، ملك الحجاز السابق، من عمّان سنة 1931. وما زالت عناوين الصحف تُكتب كثيراً بالرقعة الجليّة. وخطّ اليد العادي في المشرق مزيجٌ في الغالب من النسخ والرقعة، والرقعة أقلّ استعمالاً في المغرب العربي.
وللرقعة، كما للديواني من قبلها، صورةٌ مكسورة مستعجلة، تُعرف في دواوين العثمانيين باسم «كِرْمة الرقعة»، تتخذ فيها بعض الكلمات الكثيرة الدوران أشكالاً مختزلة.

2 مايو 1924 م · مجموعة خاصة
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

29 محرم 1350 هـ / 15 يونيو 1931 م · مجموعة خاصة (كُتبت في عمّان)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

1915 م · صورة منشورة عن الأصل
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
كيف تبدأ
الرقعة بدايةٌ حسنة لكل من يريد أن تتحسّن يده في الكتابة اليومية، لأن ثمرتها تظهر في كل ورقة يكتبها. ابدأ بالألف على ثلاث نقاط، وبالجرّات القصيرة في الباء والدال.
اكتب على سطر مسطّر، وأبقِ كل حرف عليه إلا القليل الذي ينزل عنه. وتمرّن على النقاط الموصولة، الشَّرطة للاثنتين والقوس للثلاث، حتى تكتبها دون تفكير. ودَع التشكيل كما يقتضي هذا الخط. ثم انسخ رسالةً قصيرة بخطٍّ جيد، سطراً سطراً، وقارن.
والسرعة تأتي أخيراً. فالغاية رقعةٌ سريعة تحفظ نِسَبها، أما السريعة التي تضيّعها فخربشةٌ لا غير.

قبل 1914 م · منشورة في كتاب «جرجي زيدان: رجالٌ في رجل» (1970)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
المصادر
- محيي الدين سرين، مادتا «الرقعة» (الخط العثماني) و«الرقاع» (أحد الأقلام الستة)، موسوعة الديانة التركية الإسلامية (بالتركية)، المجلد 35، إسطنبول، 2008
- علي ألب أرسلان، مادة «الديواني» (Dîvânî)، موسوعة الديانة التركية الإسلامية (بالتركية)، المجلد 9، إسطنبول، 1994
- محيي الدين سرين، مادة «المشق» (قسم الخط)، موسوعة الديانة التركية الإسلامية (بالتركية)، النسخة الإلكترونية
- هاشم محمد البغدادي، قواعد الخط العربي، بغداد، 1961
- ويكيبيديا العربية، مقالتا «خط الرقعة» و«مدرسة تحسين الخطوط»
- ويكيبيديا الإنجليزية، مقالة «خط الرقعة» (Ruqʿah script)
- متحف والترز للفنون، المخطوط W.661، كتاب الخيل لطيّار زاده أحمد عطا، سجلّ المجموعة
جرّبه الآن بهذا الخط: أهلاً وسهلاً
افتحه في الستوديو ←كتبها ستوديو مشق · آخر تحديث 2026-10-05. للاستزادة، المراجع القياسية بالإنجليزية: Sheila S. Blair, Islamic Calligraphy (Edinburgh University Press, 2006) · Annemarie Schimmel, Calligraphy and Islamic Culture (New York University Press, 1984) · Yasin Hamid Safadi, Islamic Calligraphy (Thames and Hudson, 1978).
تابع الاستكشاف
من مجلة المتجر: مقالة ذات صلة