الديواني — يد السلطان السرية
وُلد الديواني في ديوان الدولة العثمانية في القرن الخامس عشر، فقد وصلتنا فرماناتٌ من عهد محمد الفاتح مكتوبةٌ به. ومن وضع قواعده مختلَفٌ فيه: تذكر المصادر العربية إبراهيم منيف، وتذكر موسوعة الديانة التركية كتّاباً مثل مطراقچي نصوح وتاجي بك. كان سراً من أسرار الدولة: سطوره الكثيفة المتموّجة، المتلاصقة الكلمات بلا فرجة بينها، جعلت فرمانات السلاطين عصيّةً على التزوير والعبث. تركب الحروف بعضها موجاً، ولا شيء فيه مسطّر — الخط يتنفس. وابن عمه المزخرف، الديواني الجلي، يملأ كل فراغ نقطاً وعلاماتٍ صغيرة حتى يصير النص غابةً ذهبية. وما زال خطَّ المراسم: دعوات الزفاف ومراسلات القصور وأسماء تُكتب كأنها مراسيم.
من أين جاء
معنى اسمه «المنسوب إلى الديوان»، لأنه لم يكن يُكتب إلا فيه. وكان العثمانيون يسمّونه أيضاً «خط چپ»، ويسمّون كاتبه «چپ نويس». وفي بعض الروايات أن كتّاب الديوان كانوا يُستحلفون ألا يكتبوه خارجه. وتدلّ صور حروفه على أصله: التعليق، وهو خطّ دواوين فارسي من القرنين الحادي عشر والثاني عشر، أعاد الخطاطون الأتراك صوغه.
ولا تذكره كتب الخط في القرن الخامس عشر، ومع ذلك وصلتنا وثائق مكتوبة به من عهد السلطان محمد الفاتح (1451–1481 م). سطورها الأولى بسيطة، وما جاء بعدها أكثر صنعةً بكثير. ومن وضع قواعده مختلَف فيه: تذكر المصادر العربية، ومنها ويكيبيديا العربية، إبراهيم منيف وتجعله من رجال عهد محمد الفاتح، أما موسوعة الديانة التركية فتذكر مطراقچي نصوح وبالي يوسف في إسطنبول، وتاجي بك في أماسيا. وابنه جعفر چلبي، نيشانجي بايزيد الثاني وسليم الأول، أصلح الطغراء والديواني معاً. أما المؤرخ «عالي» في القرن السادس عشر فيعدّ إبراهيم منشي بين من أجادوه في إيران.

1459 م · متحف صاقب سابانجي، إسطنبول
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
خطّ المراسيم
كلّ ما كان يصدر عن الديوان الهمايوني تقريباً كُتب بالديواني: الفرمانات، والبراءات، والمناشير، وأوامر التعيين، والوقفيات، والأحكام. تعلوها طغراء السلطان، ويجري النص تحتها في سطور طويلة يرتفع آخرها إلى رأسٍ مدبّب عند الطرف الأيسر، ويُختم كل سطر بعلامةٍ تُسحب من أعلى إلى أسفل.
وكانت الحروف والكلمات تُضمّ بعضها إلى بعض حتى لا يبقى بينها موضعٌ لزيادة. وله صورةٌ أسرع وأطلق تُسمّى «كِرْمة الديواني»، كُتبت بها دفاتر المهمّة، تكثر فيها الوصلات وتُترك فيها بعض الحروف ناقصة، فقراءتها تحتاج إلى دُربة.
ونضج الديواني بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وبلغ تمام نِسَبه في القرن التاسع عشر في أقلام الديوان الهمايوني والباب العالي. وبقي مستعملاً حتى سنة 1928، حين غيّرت تركيا حروف كتابتها. ولم يكن الكتّاب يوقّعون الوثائق الرسمية، فلا نعرف عن أساتذته الأوائل إلا القليل.

1575 م · متحف صاقب سابانجي، إسطنبول
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

1659 م · متحف صاقب سابانجي، إسطنبول
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

آخر ذي الحجة 1242 هـ / 25 يوليو 1827 م · مجموعة خاصة (بيع في دار كريستيز)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
قراءة حروفه
حروف الديواني، على خلاف سائر الخطوط، قائمةٌ مائلة إلى اليسار، وأجزاؤها المبسوطة مائلةٌ كذلك من اليمين إلى اليسار. وأحواض الحاء والسين والصاد والعين والقاف والكاف واللام والميم والنون والياء مسحوبةٌ إلى الوراء نحو اليمين. والألف والدال والراء والواو، وهي لا تتصل بما بعدها في غيره، تتصل هنا بالحرف التالي. وتتلاصق الكلمات بلا فراغ، فإذا قارب السطر نهايته أخذت ترتفع عنه. وهذه الصفات مجتمعةً، كما تقول موسوعة الديانة التركية، هي التي تمنحه هيبته.
وفي كرّاسة مهدي السيد محمود في الخط الديواني طول الألف ست نقاط، ويُرسم بعد النقطة الثالثة خطٌّ رفيع. هذا الخط يعلّم منتصف الألف، وهو جزءٌ من الميزان.
ورأى الباحث ناجي زين الدين أن زخارف الديواني أُخذت من الكتابة الصينية عن طريق أتراك ما وراء النهر. وتردّ موسوعة الديانة التركية هذا الرأي، فالديواني المجرّد عندها لا زخرفة فيه أصلاً، والنقاط والعلامات الصغيرة من صفات جليّه.

1711 م · الأرشيف الوطني السويدي، ستوكهولم
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

1075 هـ / 1664–1665 م · متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك
الصورة: ويكيميديا كومنز، CC0
الديواني الجلي، والطريق إلى القاهرة
والديواني الجلي هو الخط نفسه وقد صار شكلاً واحداً: يُنسَّق النص كله كتلةً واحدة، وتُملأ فراغاته بالنقاط والعلامات الصغيرة. والخطّان متقاربان حتى إن من يكتب أحدهما يكتب الآخر بيُسر، كما تقول موسوعة الديانة التركية.
وتعدّ الموسوعة من كبار من كتبوا النوعين في العصر الأخير: ممتاز أفندي (ت 1871 م)، ومحمد شفيق، ومحمد عزت، وسامي أفندي، ثم كامل آقديك، وإسماعيل حقي آلتون بزر، وحليم أوزيازيجي، وحامد آيتاچ (ت 1982 م). وأعمال المتأخرين منهم ما زالت محميّةً بحقوق المؤلف، فلا نعرض منها شيئاً هنا.
ومن إسطنبول انتقل الخط إلى القاهرة. فقد افتتح الملك فؤاد مدرسة تحسين الخطوط العربية سنة 1922، وكان الديواني يُدرَّس فيها منذ نشأتها. وأجاده مصطفى غزلان بك (ت 1938 م) حتى سُمّي في مصر أحياناً «الخط الغزلاني». وهو يُكتب اليوم في البلاد العربية كلها، ولا يُكتب في إيران وأفغانستان وباكستان.

1826 م · إسطنبول (منشور في كتاب «الأبجدية العربية» لغابرييلي مانديل، 2004)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
قبل أن تكتبه
تعلّم قراءته أولاً. خذ فرماناً منشورَ النص وتتبّع حروفه على مهل، وانتبه للألف والدال والراء والواو موصولةً بما بعدها. فالقراءة تعلّم العين أين يبدأ كل حرف قبل أن تبحث عنه اليد.
فإذا كتبت فاجعل الألف ذات النقاط الست ميزانك، وأمِل الكلمات كلها ميلاً واحداً. وتمرّن على سطور طويلة يرتفع آخرها، واختم كل سطر بجرّته النازلة. واترك الجلي حتى تستقيم يدك في الديواني المجرّد، فزخرفته تخفي العيب ولا تصلحه. وقد كان الديواني وجليّه والطغراء تُعلَّم في العهد العثماني في أقلام الديوان نفسه في الغالب، فانقل عن الوثائق كما تنقل عن الكراريس.

1892 م · كتاب «خطوط عثمانية»، طُبع في إسطنبول
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
المصادر
- علي ألب أرسلان، مادة «الديواني» (Dîvânî)، موسوعة الديانة التركية الإسلامية (بالتركية)، المجلد 9، إسطنبول، 1994
- محيي الدين سرين، مادة «المشق» (قسم الخط)، موسوعة الديانة التركية الإسلامية (بالتركية)، النسخة الإلكترونية
- مهدي السيد محمود، الخط الديواني، كرّاسة نماذج (دون تاريخ)
- ويكيبيديا الإنجليزية، مقالة «الديواني»
- ويكيبيديا العربية، مقالة «مدرسة تحسين الخطوط»
- متحف المتروبوليتان للفنون، «صفحة خط»، رقم 1986.216.1، سجلّ المجموعة
جرّبه الآن بهذا الخط: عز من قنع
افتحه في الستوديو ←كتبها ستوديو مشق · آخر تحديث 2026-10-05. للاستزادة، المراجع القياسية بالإنجليزية: Sheila S. Blair, Islamic Calligraphy (Edinburgh University Press, 2006) · Annemarie Schimmel, Calligraphy and Islamic Culture (New York University Press, 1984) · Yasin Hamid Safadi, Islamic Calligraphy (Thames and Hudson, 1978).
تابع الاستكشاف
من مجلة المتجر: مقالة ذات صلة