النسخ — الخط الذي تعلّم الخدمة
اسم النسخ من النَّسْخ، وفي ذلك قوّته: سريعٌ يكفي النسّاخ، واضحٌ جميل يليق بالمصحف. نشأ من الأقلام المستديرة التي كُتبت بها الكتب في القرون الأولى، واكتسب قواعده بعد ابن مقلة، ثم أخذ مكان الكوفي في المصاحف شيئاً فشيئاً. وظلّ قروناً يتقاسمها مع المحقق والريحاني، حتى صارت المصاحف العثمانية منذ القرن السادس عشر تُكتب به وحده. حروفه مستديرة مفتوحة متوازنة، والفراغ بين كلماته واضح. واختاره الطابعون منذ البداية، وما زالت أكثر الحروف الطباعية العربية، في الكتب وعلى الشاشات، تتبعه.
خطُّ النُّسّاخ
عُرفت الأقلام المستديرة السريعة منذ القرن الأول الهجري، إلى جانب الخط الزاويّ الذي كُتبت به المصاحف. وكانت للرسائل والحسابات والكتب. وفي عهد الأمويين والعباسيين صار هذا الخط المستدير «موزوناً» ثم «منسوباً». ولأن الورّاقين استعملوه سُمّي «الورّاقي»، وسُمّي «النسخي» لأنه خط النُّسّاخ.
ويفسّر بعضهم الاسم بأنه الخط الذي «نسخ» الكوفي في المصاحف، أي أبطله. ويلاحظ أوغور درمان في موسوعة وقف الديانة التركي أن التواريخ لا تسمح بذلك. وقد اعتاد الباحثون الغربيون زمناً طويلاً أن يسمّوا كل خط غير كوفي «نسخياً»، فاضطربت الصورة. وتجعل الموسوعة الإيرانية نهضة النسخ الحقيقية بعد ابن مقلة، حين اكتسب القواعد ثم ارتقى شيئاً فشيئاً حتى كُتبت به أكثر المصاحف والكتب.
وظل الخطان زمناً يتقاسمان الصفحة. ففي مصحف إيراني نُسخ في القرن الحادي عشر الميلادي، ووقفته في القرن الثاني عشر امرأةٌ تُدعى خراسان بنت أبي القاسم، يجري النص بالنسخ المبكر وتحت كل كلمة ترجمتها الفارسية، أما عناوين السور فبقيت بالكوفي.

نُسخ في القرن الحادي عشر الميلادي، ووُقف في القرن الثاني عشر · المكتبة المركزية للعتبة الرضوية، مشهد (MS 2752)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
النسخ يدخل المصحف
مصحف ابن البواب المكتوب سنة 391 هـ / 1000–1001 م، المحفوظ في مكتبة تشستر بيتي، أقدم مصحف مؤرخ بخط مستدير على الورق. وتسمّي الفهارس خطه في الغالب نسخاً، أما درمان فيسمّيه ريحانياً ويقول إنه لم يبق شيء من النسخ بيد ابن البواب. ويحفظ متحف طوب قابي مصحفاً بالنسخ لمحمد بن ألتونتاش مؤرخاً بسنة 582 هـ / 1186 م، وترك ياقوت مصاحف بالنسخ والريحاني معاً.
وظل النسخ حتى القرن السادس عشر يتقاسم المصحف مع أقلام أخرى. فكانت المصاحف الكبيرة تُكتب في الغالب بالمحقق، والصغيرة بالريحاني، وكثير من الصفحات يجمع قلمين أو ثلاثة. وفي القاهرة المملوكية استعمل النساخ أيضاً نسخاً واسعاً كبيراً هو «نسخ الوضّاح»، ونسخاً دقيقاً للحواشي تُكتب سطوره مائلة، و«الغباري» أصغر الخطوط جميعاً.

القرن الرابع عشر الميلادي · متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

15 يناير 1314 م · متحف الفنون الجميلة، بوسطن (39.793)؛ كُتب في القاهرة
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
كيف يُبنى النسخ
يُكتب النسخ بقلم من القصب عرضُ سنّه نحو ملّيمتر واحد. وتصفه الموسوعة الإيرانية بأنه نصفه مستقيم ونصفه مستدير على وجه التقريب، وأن الحروف المتشابهة فيه تبقى بقدر واحد حيثما وقعت. وهو لا يفارق السطر أبداً: فلا يُركّب بعضه فوق بعض كما يُركّب الثلث، ولهذا صلح للنصوص الطويلة. وتضيف موسوعة وقف الديانة التركي أنه يميل قليلاً إلى اليسار، بمقدار نقطة تقريباً.
وكان النساخ يقيمون سطورهم بالمِسطَرة، وهي لوح من الورق المقوّى شُدّت عليه خيوط من الحرير تُضغط على الورقة فتترك أثرها. ولكي يبعثوا الحركة في السطر يمدّون الكاف المبسوطة، أو يجعلون حرفاً مقعّراً يحتضن ما بعده من حروف. والحركات وعلامات القراءة قريبة من الحروف فوقها وتحتها، وبها، كما تقول الموسوعة الإيرانية، تصبح القراءة لا لبس فيها.

1669 م · متحف صاقب صابانجي، إسطنبول
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
الأساتذة
في إسطنبول أعاد الشيخ حمد الله (ت 926 هـ / 1520 م)، بتشجيع من تلميذه السلطان بايزيد الثاني، صياغة نماذج ياقوت في أسلوب عثماني جديد. ومنذ زمنه صارت المصاحف العثمانية تُكتب بالنسخ وحده، وسمّاه مستقيم زاده «خادم الكتاب الكريم». وكتب بعض النساخ مئات المصاحف: فيُنسب إلى رمضان بن إسماعيل 400 مصحف، وإلى جمشير حافظ 454.
ثم هذّب الحافظ عثمان (ت 1110 هـ / 1698 م) الأسلوب من جديد. ويقول درمان إن الكمال الذي بلغه محمد شوقي (ت 1887 م) بحروفه يُعدّ الغايةَ في ذلك. ومن نسّاخ القرن التاسع عشر اسمان لا يُنسيان: قيشزاده الحافظ عثمان والحاج حسن رضا، وقد طُبعت المصاحف عن خطّهما. وتنقل موسوعة وقف الديانة التركي في مادة «الخط» قولاً يلخّص مكانة إسطنبول: نزل القرآن في الحجاز، وقُرئ في مصر، وكُتب في إسطنبول.
أما في إيران فبقي الخطاطون أقرب إلى ياقوت، ثم مضوا في طريقهم الخاص. وصاغ أحمد النيريزي، الذي عمل في أوائل القرن الثامن عشر، النسخ الفارسي الذي ما زال متداولاً هناك.

نحو 1500 م · متحف الآغا خان، تورنتو
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام

1702 م · مكتبة ملك الوطنية، طهران (رقم 130)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
من القلم إلى الحرف المطبوع
اختار الطابعون النسخ منذ البداية. ففي البلاد العثمانية كان أكثر الكتب المطبوعة الأولى بالنسخ، ومنذ سنة 1866 صُبّت حروف بأحجام عدة على خط قاضي العسكر مصطفى عزت أفندي، وبقيت في المطابع حتى استُبدلت الحروف اللاتينية بالعربية سنة 1928. وفي القاهرة افتُتحت مطبعة بولاق سنة 1821، وطبعت أول كتبها، وهو معجم عربي إيطالي، سنة 1822.
وتلاحظ الموسوعة الإيرانية أن النسخ الحديث طُوّع للحروف المطبوعة والآلات الكاتبة، وأن المصاحف والكتب والصحف تُطبع به في إيران وأفغانستان والبلاد العربية. وفي القرن السابع عشر قدّم المستشرق الهولندي توماس فان إربه (إربينيوس) النسخ على سائر الخطوط العربية. والخطوط الرقمية تتبع النماذج نفسها، فالخط الأميري المستعمل في هذا الستوديو مستوحى من حروف بولاق.

1853 م · مطبعة بولاق، القاهرة (نسخة في مكتبة جامعة تورنتو)
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
كيف تبدأ
كان المعلمون العثمانيون كثيراً ما يعلّمون النسخ مع الثلث في ورقة من أربعة أسطر: الثلث في الأول والأخير، وبينهما سطران أقصر من النسخ. فاتّبع ترتيب تلك الكراريس: ابدأ بالمفردات، ثم بالمركّبات، ثم بالكلمات، وقِس كل ألف بخمس نقاط. وعدد النقط يختلف من معلّم إلى معلّم؛ والخمس مقياسُ هذا الستوديو، إذ لا يحدّد مصدر تاريخي عدداً واحداً.
اكتب على سطر مرسوم، وأعطِ كل حرف كرسيّه. وأمسك القلم على ميل واحد، فالنسخ يُظهر كل تغيّر. وضع الحركات في الآخر، صغيرةً قريبةً من حروفها. وانقل سطراً من أستاذ كالحافظ عثمان على مهل، مرات كثيرة؛ فالسرعة تأتي بعد أن تستقيم الأشكال.

غير مؤرخة · مكتبة جامعة ماكغيل، مونتريال
الصورة: ويكيميديا كومنز، ملك عام
المصادر
- م. أوغور درمان، «النسخ» (بالتركية)، موسوعة وقف الديانة التركي الإسلامية، المجلد 33، 2007
- م. أوغور درمان، «الخط» (بالتركية)، موسوعة وقف الديانة التركي الإسلامية، المجلد 16، 1997
- غلام حسين يوسفي، «الخط» (بالإنجليزية)، الموسوعة الإيرانية، المجلد 4، الجزء 7، 1990
- مكتبة تشستر بيتي، «الهوامش الصامتة في مصحف ابن البواب» (بالإنجليزية)، 2025
- ويكيبيديا الإنجليزية: «خط النسخ»، «المطبعة الأميرية»
- ويكيبيديا العربية: «خط النسخ»
جرّبه الآن بهذا الخط: بسم الله الرحمن الرحيم
افتحه في الستوديو ←كتبها ستوديو مشق · آخر تحديث 2026-10-05. للاستزادة، المراجع القياسية بالإنجليزية: Sheila S. Blair, Islamic Calligraphy (Edinburgh University Press, 2006) · Annemarie Schimmel, Calligraphy and Islamic Culture (New York University Press, 1984) · Yasin Hamid Safadi, Islamic Calligraphy (Thames and Hudson, 1978).
تابع الاستكشاف
من مجلة المتجر: مقالة ذات صلة